لم يكن دوي الانفجار الذي هزّ صالة المسافرين في مطار الملك خالد الدولي بالرياض مجرد هجوم غادر على منشأة مدنية، بل كان قذيفة مباشرة في وجه الضمير العالمي المترهل، واختباراً أخيراً لشرعية قانون دولي يبدو أنه بات يُكتب بمداد من الحبر ويُمحى بدماء الأبرياء. اثنا عشر نفساً زكية أُزهقت، وأكثر من ثلاثمائة جريح ينزفون في الرياض، لا لشيء إلا لأنهم مروا برواقٍ مدني آمن، في وقت قررت فيه ميليشيا الحوثي أن تمارس هوايتها المفضلة في تحويل فضاءات الحياة إلى مقابر مفتوحة.
لكن الجريمة الأكبر، والأكثر إيلاماً وخطورة، لا تكمن فقط في شظايا الصواريخ والمسيّرات الحوثية التي استهدفت مطار الملك خالد الدولي.
بل تقبع في دهاليز المجتمع الدولي والأمم المتحدة، التي ما زالت تُصرّ على ممارسة العمى السياسي الاختياري، والتعامل مع مليشيا مسلحة، مارقة، كـطرف سياسي شريك في سلام وهمي، وليس كمنظمة إرهابية عاتية لا تقيم وزناً لعهد أو ميثاق.
إن ما شهده المطار السعودي الدولي ليس سلوكاً منبتّ الصلة، بل هو امتداد طبيعي وفصل متجدد من فصول الإبادة والجرائم الممنهجة التي تجرّعها اليمنيون على مدار سنوات. فذات الصواريخ والمدافع التي استهدفت المسافرين في الرياض، هي التي تحاصر مدينة تعز وأبناءها منذ أكثر من عقد من الزمان، وتمطر أحياءها السكنية بقذائف الموت العشوائية، وتهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها، وتزرع الأرض بالألغام لتخطف أقدام الأطفال والنساء في مشهد يفوق كل حدود الوحشية.
أيّ انفصام هذا الذي يعيشه النظام الدولي
وكيف يستقيم في منطق السياسة والحصافة أن يُنتظر ممن يحاصر تعز، ويجوع أهلها، ويفخخ المطارات، ويستهدف الملاحة الدولية، ويحرق صالات المسافرين، إلى طاولات التفاوضات والاستمرار والانتظار له باعتباره مكوناً سياسياً.
إن هذا التدليل الدولي للمليشيا، ومحاولات غسل جرائمها تحت لافتات الواقعية السياسية، ليس تخاذلاً فحسب، بل هو تواطؤ غير معلن، يمنح القاتل الضوء الأخضر للمضي قدماً في غيّه، متسلحاً بيقينه التام بأن الرد الدولي لن يتجاوز أسوار بيانات القلق وصيغ الإدانة الجوفاء التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
إن العبث الذي تمارسه القوى الدولية في مقاربة الملف الحوثي تجاوز كل الحدود الحصيفة. فالمليشيا لا ترى في غياب الردع الحقيقي إلا ضعفاً، ولا تقرأ في المبادرات السياسية إلا ضوءاً أخضر للتصعيد ضد اليمنيين وجيرانهم. وحين يُعامل الإرهاب كـوجهة نظر أو كـورقة ضغط، فإن المجتمع الدولي يطلق رصاصة الرحمة على أمن واستقرار المنطقة بأسرها، ويهدد منظومة الطيران المدني والملاحة العالمية التي باتت تحت رحمة مليشيا منفلتة من كل كوابح الأخلاق والقانون.
لم يعد هناك متسع للمواربة، ولا وقت للتوازنات الدبلوماسية الباردة.
إن دماء الأبرياء في مطار الملك خالد الدولي وأوجاع الضحايا المنسيين في تعز وكافة ربوع اليمن، تعري اليوم هذا التخاذل الفاضح.
لقد آن الأوان للمجتمع الدولي أن ينفض عنه غبار المحاباة السياسية، وأن يدرك أن المليشيا الحوثية لا يمكن أن تكون جزءاً من حل، لأنها هي أصل المشكلة.
الردع الصارم، والتصنيف الحقيقي والفعلي لها كمنظمة إرهابية بلا مواربة، هو السبيل الوحيد لكسر هذه الغطرسة.
وما دون ذلك، ليس إلا شراكة مريرة في ذبح الأبرياء وصناعة الفوضى.













