لم يعد سوق الذهب في المملكة مجرد سوق للبيع والشراء، بل أصبح لدى كثير من المتعاملين معه مصدرًا للتساؤلات والاستغراب، في ظل تفاوت الأسعار بين محل وآخر، واختلاف أجور المصنعية من مكان إلى آخر، حتى بات المستهلك في حيرة من أمره: من يحدد السعر؟ وما المعيار الذي يستند إليه التاجر عند البيع؟
عندما تدخل بعض محلات الذهب، تجد محلًا لا تتجاوز مساحته أربعة أمتار في أربعة أمتار، أو ثلاثة أمتار في خمسة أمتار، ومع ذلك تجد فيه عدة موظفين، وإيجارًا، وفواتير كهرباء، وتكاليف تشغيلية أخرى. وهنا يحق للمستهلك أن يتساءل: كيف تغطي هذه المحلات جميع مصروفاتها؟ وما حجم الأرباح التي تحققها؟ وهل توجد رقابة كافية تضمن أن الأسعار وأجور المصنعية تتناسب مع طبيعة العمل والتكاليف الفعلية؟
لسنا هنا بصدد اتهام أحد، ولا التشكيك في ذمم التجار، فالتجارة مهنة مشروعة، والربح حق لكل من يعمل وفق الأنظمة. لكن من حق المواطن أيضًا أن يجد سوقًا واضحًا، وأسعارًا معلنة، ومعايير عادلة تحميه من الاستغلال والمبالغة في التكاليف.
المشكلة الحقيقية ليست في ارتفاع سعر الذهب العالمي، وإنما في غياب الوضوح لدى المستهلك بشأن ما يدفعه فوق سعر الذهب نفسه.
فسعر الذهب الخام يمكن معرفة قيمته وفق أسعار السوق، لكن المصنعية، وهي أجرة صياغة القطعة وتصنيعها، تختلف اختلافًا كبيرًا بين المحلات، وقد يجد المشتري تفاوتًا ملحوظًا في السعر النهائي لقطع متشابهة في الوزن والعيار. ومن هنا يبرز السؤال المهم: لماذا لا تكون هناك ضوابط أوضح لإعلان أجور المصنعية، بحيث يعرف المستهلك قيمة الذهب، وقيمة المصنعية، وأي رسوم إضافية قبل إتمام عملية الشراء؟
إننا نطالب الجهات المختصة، وفي مقدمتها وزارة التجارة، بالتنسيق مع الجهات التنظيمية ذات العلاقة، بدراسة وضع آلية واضحة لتسعير المشغولات الذهبية، أو على الأقل تنظيم أجور المصنعية ووضع ضوابط ملزمة للإفصاح عنها.
ويمكن أن تقوم هذه الآلية على إعلان سعر الذهب بحسب العيار والوزن، وفق السعر المعتمد وقت البيع، مع بيان أجرة المصنعية بصورة مستقلة وواضحة، وتحديد ضوابط تمنع التضليل والمبالغة غير المبررة، مع مراعاة اختلاف التصاميم وجودة الصناعة وتكاليف الإنتاج.
فكما توجد ضوابط للإفصاح عن أسعار كثير من السلع والخدمات، من المواد الغذائية إلى خدمات الحلاقة وتأجير السيارات وغيرها، فإن سوق الذهب، نظرًا إلى ارتفاع قيمة مشترياته وحساسية التعامل فيه، يستحق رقابة دقيقة وتنظيمًا يحقق التوازن بين حق التاجر في الربح وحق المستهلك في معرفة ما يدفعه.
أما القضية الأخرى التي تستحق الوقوف عندها، فهي توطين الوظائف في محلات الذهب والمجوهرات.
فقد تساءل المواطنون لسنوات عن مدى الالتزام بمتطلبات التوطين، وعن حقيقة توزيع الوظائف داخل هذا القطاع، ومدى تمكين الكفاءات الوطنية من العمل فيه. وهنا يأتي دور الجهات المعنية في التحقق من الالتزام بقرارات التوطين، ومراجعة سجلات العاملين، والتأكد من نظامية التوظيف، وعدم وجود مخالفات تتعلق بالتستر التجاري أو تسجيل العاملين بصورة صورية.
ولا يجوز تحميل جنسية بعينها مسؤولية مخالفات محتملة، فالمخالفة يحددها النظام والدليل، لا جنسية الشخص. لكن من حق المواطن أن يطالب برقابة جادة على جميع المنشآت دون استثناء، وأن يتساءل عن مدى تطبيق الأنظمة على أرض الواقع، خصوصًا في قطاع ترتفع فيه قيمة البضائع وتكثر فيه التعاملات المالية.
إن وجود أقارب أو معارف يعملون في المنشأة ليس مخالفة في حد ذاته، لكن أي تستر تجاري أو مخالفة لنظام العمل أو التحايل على متطلبات التوطين يجب أن يخضع للتحقق والمحاسبة وفق الأنظمة المعمول بها.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس مجرد جولات تفتيشية عابرة، بل رقابة مستمرة تشمل الأسعار، وأجور المصنعية، والفواتير، والالتزام بالعيارات والأوزان، ومكافحة التستر التجاري، والتحقق من التزام المحلات بمتطلبات التوطين، مع تطبيق العقوبات على المخالفين دون تمييز.
كما ينبغي إلزام محلات الذهب بإصدار فواتير تفصيلية توضح وزن القطعة وعيارها وسعر الذهب المحتسب وأجرة المصنعية والضريبة وأي رسوم أخرى، حتى يتمكن المستهلك من المقارنة بين المحلات واتخاذ قراره على أساس واضح.
إن سوق الذهب لا يحتمل الغموض، ولا ينبغي أن يبقى المستهلك أسيرًا لاختلاف الأسعار وتفاوت التكاليف دون أن يمتلك المعلومات الكافية للمقارنة. فالذهب سلعة ذات قيمة عالية، وشراء قطعة واحدة قد يمثل جزءًا كبيرًا من مدخرات أسرة، ومن حق هذه الأسرة أن تعرف أين تذهب أموالها، وما الذي تدفعه مقابل المعدن، وما الذي تدفعه مقابل الصناعة.
إننا لا نحارب التجارة، ولا نطالب بتقييد المنافسة المشروعة، وإنما نطالب بتنظيمها وحماية أطرافها. فالتاجر الأمين يستفيد من وجود أنظمة واضحة تحمي سمعته، والمستهلك يستفيد من الشفافية، والدولة تستفيد من سوق منضبط يلتزم فيه الجميع بالقانون.
وفي الختام، نضع هذه التساؤلات أمام وزارة التجارة والجهات المختصة: هل حان الوقت لمراجعة آليات الرقابة على محلات الذهب؟ وهل يمكن وضع ضوابط أكثر وضوحًا لأجور المصنعية، وإلزام المحلات بإظهار تفاصيل الأسعار للمستهلك؟ وما مدى الالتزام بمتطلبات التوطين ومكافحة التستر التجاري في هذا القطاع؟
إن حماية المستهلك ليست شعارًا، بل مسؤولية تتطلب قرارات واضحة ورقابة فعالة ومحاسبة عادلة. وسوق الذهب، بما يحمله من قيمة مالية وثقة اجتماعية، يستحق أن يكون نموذجًا للشفافية والانضباط، لا مجالًا تتضارب فيه الأسعار ويحتار فيه المشتري.
فهل نرى تحركًا جادًا ينهي حالة الغموض، ويعيد الثقة إلى سوق الذهب، ويحفظ حقوق المواطن والتاجر الملتزم على حد سواء؟
محلات الذهب بين غلاء الأسعار وفوضى التسعير.. أين الرقابة؟
بقلم _ عيد راشد الرفاعي
أضواء الوطن
- منذ ساعة واحدة
- 1173
شاركها
-
قراءة في بطولة (خليجي 27 )منذ 18 دقيقة
-
عبدالله الحضبي
انت دائماً متميز يا بو حمود بيض الله وجهك على الكلمة الوطنية...
-
سعودي وأفتخر
ما شاء الله الله يوفقه نموذج يحتذى به لقوة الإرادة....
-
فيصل الغامدي
امتناني وتقديري....
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
أخبار المجتمع














