لم تكن «فجر اليمن» مجرد اسم لعملية عسكرية جديدة، ولم تكن المئة مقاتلة التي ملأت سماء العمليات مجرد رقم في بيان عسكري؛ ما ظهر مع الساعات الأولى كان مشهداً أكبر: المملكة العربية السعودية تقود تحالفاً يمتلك القدرة على فتح السماء وتأمين الممرات الاستراتيجية وضرب مئات الأهداف، وفي الأسفل قوات يمنية تابعة للحكومة المعترف بها دولياً تتحرك على الأرض لاستعادة مواقعها وبسط سلطة الدولة.
هكذا بدأت العملية، وهكذا وصلت رسالتها الأولى.
مئة طائرة مقاتلة شاركت في «فجر اليمن»، و324 هدفاً عالي القيمة أعلن التحالف تدميرها، فيما امتد الإسناد الجوي للقوات المسلحة اليمنية على مدار الساعة، بالتزامن مع حماية جوية لمضيق باب المندب والتعامل المستمر مع الأهداف المتحركة. إنها صورة لقوة لا تتحرك برد الفعل، وإنما تدير مسرحاً عسكرياً واسعاً، تجمع فيه بين الضرب والإسناد والحماية والسيطرة الجوية.
وعلى الأرض، كانت القوات اليمنية تتحرك تحت هذا الغطاء بثقة وسرعة. التقدم في ذو باب والوصول إلى المواقع الرئيسية المطلة على باب المندب والسيطرة على المطار حملت دلالة تتجاوز تحرير مساحة جغرافية وسنرى بحول الله كيف تتساقط المناطق تلوى المناطق ومالمخا إلا قريبة بسقوطها ؛ لأنها وضعت القوات التابعة للحكومة اليمنية في قلب واحد من أهم المواقع الاستراتيجية في المنطقة والعالم.
وهنا تتكامل الصورة: السعودية تقود من السماء، والشرعية اليمنية تتقدم على الأرض.
وهذه تحديداً هي المعادلة التي أرادت «فجر اليمن» إظهارها منذ بدايتها. الرياض لم تأتِ لتصنع بديلاً يمنياً عن اليمنيين، بل وضعت قوتها خلف دولة معترف بها دولياً، فيما يتولى اليمنيون بأنفسهم معركة استعادة الأرض ومؤسسات الجمهورية. وهذا يمنح العملية معناها السياسي إلى جانب معناها العسكري: دولة تستعيد سيادتها بقواتها المسلحة، وتحالف تقوده السعودية يوفر لها ثقلاً عسكرياً واستراتيجياً قادراً على تغيير ميزان الميدان.
ومن هنا تتعدد رسائل «فجر اليمن».
الرسالة الأولى إلى الداخل اليمني: الدولة لم تعد تقف في موقع الدفاع والانتظار. القوات التابعة للحكومة المعترف بها دولياً تتحرك، والجبهات تتحرك معها، والغطاء الذي يقف خلفها ليس محدوداً ولا مؤقتاً. والرهان اليوم هو على مؤسسات الجمهورية وقواتها المسلحة باعتبارها الإطار الذي يمكن أن يجمع اليمنيين تحت دولة واحدة وسيادة واحدة وقرار واحد.
والرسالة الثانية إلى الحوثيين سياسية وعسكرية في آن واحد: أمامكم دولة تستعيد زمام المبادرة، وقوات يمنية تتحرك على الأرض، وتحالف تقوده قوة إقليمية بحجم المملكة العربية السعودية يمتلك القدرة على توفير إسناد جوي متواصل وإدارة عمليات واسعة. ومن يقرأ ميزان القوة بعقل الدولة يدرك أن باب السياسة ووقف الحرب أكثر أمناً لليمن من الإصرار على مواجهة مفتوحة.
أما الرسالة الثالثة فتتجه إلى إيران: اليمن ليس ساحة مفتوحة لإعادة رسم توازنات المنطقة على حساب أمن المملكة وأمن البحر الأحمر. عندما ترى طهران مئة مقاتلة تعمل في مسرح واحد، وتدرك أن السعودية تستطيع في الوقت نفسه إسناد حليفها اليمني وحماية باب المندب ومواصلة العمليات، فإنها تقرأ رسالة استراتيجية تتجاوز حدود اليمن: أمن المملكة ومحيطها الإقليمي ليس فراغاً يمكن ملؤه من الخارج.
والرسالة الرابعة تصل إلى دول المنطقة: السعودية التي تقود هذا التحالف لا تحمي حدودها وحدها. فحماية باب المندب تعني حماية البحر الأحمر، وحماية البحر الأحمر تعني حماية شريان اقتصادي وأمني يرتبط بدول عربية عديدة من الخليج حتى مصر والقرن الأفريقي.
أما الرسالة الخامسة فهي إلى العالم، وربما تكون الأوسع أثراً. باب المندب ليس ممراً يمنياً محلياً؛ إنه أحد شرايين التجارة والطاقة الدولية. وحين تعلن السعودية والتحالف توفير الحماية الجوية له، فإن العملية تنتقل من إطار الأزمة اليمنية إلى مسؤولية تتصل بأمن الملاحة الدولية واستقرار الاقتصاد العالمي. القوة هنا لا تحمي أرضاً فقط، وإنما تحمي ممراً تمر عبره مصالح دول وقارات.
ولهذا فإن الرقم «100» في «فجر اليمن» له معنى أبعد من عدد الطائرات.
إنه يعكس قدرة دولة على الحشد والقيادة والتخطيط والإسناد في توقيت واحد. ويعكس في الوقت نفسه طبيعة العلاقة التي تريد الرياض تثبيتها مع الحكومة اليمنية: السعودية قوة الإسناد الاستراتيجي، واليمنيون هم أصحاب الأرض والدولة والمعركة على الأرض.
ومن باب المندب جاءت أولى الصور الواضحة لهذه المعادلة؛ قوة جوية يقودها التحالف، وقوات يمنية تتقدم، ودولة معترف بها دولياً تعلن أن هدفها استعادة مؤسساتها وسيادتها.
ولذلك فإن «فجر اليمن» لا يرسل رسالة واحدة، بل رسائل في اتجاهات عدة: إلى اليمنيين بأن دولتهم وقواتهم حاضرة، وإلى الحوثيين بأن ميزان الميدان يتغير، وإلى إيران بأن أمن الجزيرة العربية والبحر الأحمر تحرسه قوة قادرة، وإلى الإقليم بأن السعودية ما زالت مركز الثقل في معادلة الأمن، وإلى العالم بأن باب المندب لن يُترك رهينة للفوضى.
مئة مقاتلة في السماء، وقوات الشرعية على الأرض، وباب المندب في قلب المعادلة؛ هكذا أرادت السعودية والتحالف أن يبدأ «فجر اليمن»: قوة تقود، وشرعية تتقدم، ودولة يمنية تسعى لاستعادة سيادتها.













