ثمّة أيام في تاريخ الأمم لا تُقاس بمدى ما عبر منها من زمن، وإنما بما تركته في ذاكرة الشعوب ووجدان الحضارة من أثرٍ لا يزول.
وفي مقدمة هذه الأيام يطلّ الثالث والعشرون من سبتمبر بوصفه تاريخاً تختصر فيه المملكة العربية السعودية قصة تأسيسٍ استثنائية؛ قصة كيان نهض من جغرافيا شاسعة وتحدياتٍ قاسية، ووحد أطرافه تحت راية واحدة، ليغدو، بعد عقود من البناء والتحول، دولة ذات حضور مؤثر، وثقل سياسي واقتصادي واستراتيجي يتجاوز حدودها إلى محيطها العربي والإسلامي والعالم.
إن اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، تحت شعار «عزّنا بطبعنا»، لا يبدو مجرد مناسبة للاحتفاء بتاريخ مجيد، بل يحمل معنى أعمق…
أن الأمم التي تعرف أصلها لا تخشى المستقبل، وأن الانفتاح على العالم لا يعني مغادرة الذات، وأن الحداثة حين تستند إلى هوية راسخة لا تصبح اقتلاعاً من الجذور، بل امتداداً أكثر ثقة بها.
وهنا تكمن إحدى أبرز ملامح التجربة السعودية المعاصرة.
فالمملكة تمضي في مشروعها الطموح عبر رؤية 2030، بما تحمله من تحولات اقتصادية واجتماعية وتنموية واسعة، دون أن تجعل من التحديث خصماً للهوية، أو من المستقبل قطيعةً مع التاريخ.
وفي ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، تتقدم المملكة في مسار يسعى إلى الجمع بين مقتضيات العصر وخصوصية المكان، وبين طموح المستقبل وعمق الإرث.
ولعل عبارة «عزّنا بطبعنا» تختصر هذه المعادلة ببساطة شديدة…
أن العز ليس فيما تستعيره الأمم من غيرها، وإنما فيما تبنيه من ذاتها، وفي قدرتها على أن تتقدم دون أن تفقد ملامحها.
ومن اليمن، تبدو هذه المناسبة أكثر من مجرد احتفاء بدولة شقيقة؛ فهي مناسبة لاستحضار معنى الجوار حين يتحول من حقيقة جغرافية إلى رابطة تاريخية ووجدانية ومصيرية.
فالسعودية بالنسبة إلى اليمن ليست دولة تجاورها على خارطة، ولا حدوداً تفصل بين بلدين فحسب.
إنها جزء من الجغرافيا التي صنعت تاريخ المنطقة، وامتداد طبيعي لعلاقات اجتماعية وثقافية وإنسانية عميقة، ظلت عصية على التحولات السياسية والظروف الاستثنائية.
ولذلك فإن الحديث عن المملكة من وجدان يمني صادق لا يستقيم بوصفه حديثاً عن جار قريب فحسب، بل عن شقيق وعضد وسند، وعن علاقة راكمت عبر العقود الكثير من المواقف التي يصعب اختزالها في لغة المصالح العابرة.
وفي ذاكرة اليمنيين، ثمة حضور سعودي متصل في لحظات مختلفة من تاريخهم الحديث؛ حضور سياسي واقتصادي وإنساني وتنموي، تتفاوت مظاهره بحسب المرحلة، لكن أثره ظل حاضراً في مجالات عديدة.
وليس الوفاء في هذه المناسبة استدعاءً للمجاملة، بقدر ما هو اعتراف بقيمة الموقف حين يُختبر في الأوقات الصعبة.
فالعلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بعدد الاتفاقيات أو حجم التبادل التجاري، وإنما بما تتركه المواقف في ذاكرة الشعوب.
وحين تمر دولة بظروف استثنائية، تصبح المواقف الإنسانية والتنموية والسياسية جزءاً من سجل العلاقة، لا مجرد أخبار عابرة في دورة الأحداث.
ومن هذا المنظور يمكن فهم الوجدان اليمني تجاه المملكة؛ فالمشترك بين الشعبين أوسع من السياسة، وأعمق من المصالح الآنية، وأقدم من الحسابات التي تفرضها اللحظة.
إنها رابطة جغرافيا وتاريخ وثقافة ومصاهرة وتداخل اجتماعي، جعلت من الحدود السياسية واقعاً إدارياً لا يستطيع أن يمحو حقيقة القرب بين شعبين ارتبطا، على امتداد الزمن، بعلاقات متشابكة وممتدة.
وفي المقابل، فإن قوة المملكة واستقرارها لا تنعكس على الداخل السعودي وحده. فالمملكة بحكم موقعها وثقلها السياسي والاقتصادي والديني والاستراتيجي، تمثل عنصراً مؤثراً في منظومة الأمن والاستقرار الإقليمي، وفي مقدمة ذلك محيطها الخليجي والعربي، واليمن على وجه الخصوص.
ولهذا فإن ازدهار السعودية ليس شأناً سعودياً الله خالصاً في نظر جيرانها؛ فكلما اتسعت قدرتها على التنمية، وتعزز حضورها الاقتصادي والسياسي، وتنامى دورها في صناعة المبادرات الإقليمية والدولية، انعكس ذلك على مساحة أوسع من المنطقة.
وما يلفت في التجربة السعودية اليوم ليس فقط حجم المشاريع والطموحات، وإنما القدرة على تحويل الإمكانات إلى مشروع دولة، وعلى الانتقال من اقتصاد قائم على موارد تقليدية إلى مسارات أكثر تنوعاً، وعلى بناء حضور دولي متزايد في الاقتصاد والسياسة والثقافة والرياضة والسياحة وغيرها من المجالات.
لكن خلف كل هذه التحولات تبقى قيمة أخرى أكثر رسوخاً… الهوية.
فالنهضة التي تفقد ذاكرتها تتحول إلى مجرد تحديث مادي، أما النهضة التي تنطلق من ثقة المجتمع بذاته فتملك فرصة أكبر لأن تصبح مشروعاً
مستداماً.
ومن هنا تبدو فلسفة «عزّنا بطبعنا» أكثر من شعار احتفالي؛ إنها صياغة مكثفة لفكرة أن التطور لا يحتاج إلى التنكر للأصل، وأن العالمية لا تعني الذوبان، وأن الاعتزاز بالهوية يمكن أن يكون دافعاً للانفتاح لا عائقاً أمامه.
وفي يومها الوطني، لا تُستعاد سيرة المملكة بوصفها قصة ماضي مكتمل، وإنما بوصفها مسيرة دولة ما زالت تكتب فصولها.
من لحظة التوحيد التي أسست الكيان، إلى مرحلة بناء الدولة الحديثة، ثم إلى التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة اليوم، تتشكل أمامنا تجربة تقول إن الدول لا تُبنى بقرار واحد، ولا تُصان بالإنجاز وحده، وإنما باستمرار القدرة على تحويل التاريخ إلى طاقة للمستقبل.
ومن اليمن، لا نملك في هذه المناسبة إلا أن نبعث إلى المملكة قيادةً وشعباً تحيةً تليق بجلال المناسبة، مقرونةً بذاكرة شعب يرى في المملكة أكثر من جار، ويقرأ في العلاقة معها صفحات طويلة من الجوار والتاريخ والمواقف والمصالح المشتركة.
فهناك علاقات تصنعها السياسة، وعلاقات تصنعها الجغرافيا، وأخرى تصنعها المصالح؛ لكن ثمة علاقات أعمق، تصنعها الأيام نفسها، وتثبتها المواقف، وتمنحها الشعوب معناها الحقيقي.
ولعل العلاقة اليمنية السعودية واحدة من تلك العلاقات التي لا يمكن اختزالها في ظرف سياسي عابر، لأنها أقدم من الأزمات، وأوسع من الحكومات، وأعمق من الخرائط.
في اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، تبقى المملكة وهي تحتفي بماضيها، ماضيةً في صناعة مستقبلها؛ ويظل اليمن، بما يحمله من تاريخ وجوار ووشائج، ينظر إلى هذه المسيرة من موقع الشقيق الذي يعرف معنى أن يكون للجوار أثر، وللموقف ذاكرة، وللعلاقة جذور.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعباً، وأدام عليها أمنها واستقرارها ورفعتها، وجعل عزّها امتداداً لطبعها، ومستقبلها امتداداً لمجدها.
مقام المجد وفلسفة الطبع.. قراءةٌ في الجوار الاستراتيجي والوجدان الواحد
بقلم _ صلاح الطاهري
أضواء الوطن
- منذ 47 دقيقة
- 923
شاركها
-
سعودي وأفتخر
ما شاء الله الله يوفقه نموذج يحتذى به لقوة الإرادة....
-
فيصل الغامدي
امتناني وتقديري....
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
-
الاعلامي رشيد البلوي
كتبت فأجدت بورك في قلمك...
أخبار المجتمع













