/
/
ذكرى البيعة.. اثنا عشر عاماً من بناء الإنسان ونهضة الوطن

ذكرى البيعة.. اثنا عشر عاماً من بناء الإنسان ونهضة الوطن

Picture of بقلم _ عيد راشد الرفاعي

بقلم _ عيد راشد الرفاعي

في ذكرى البيعة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ـ حفظه الله ـ لا نتوقف عند تاريخٍ في التقويم، ولا نستحضر سنواتٍ مضت فحسب، وإنما نقف أمام مرحلة تاريخية مهمة من مسيرة وطنٍ عظيم، شهد خلالها نهضة شاملة وتحولات واسعة في مختلف المجالات، وأصبح الطموح والعمل والإنجاز عنواناً لمرحلة جديدة من تاريخ المملكة العربية السعودية.
إن البيعة في المملكة العربية السعودية ليست مجرد مناسبة رسمية، بل هي تعبير عن علاقة راسخة بين القيادة والشعب، وعن ولاء وانتماء ووحدة وطنية قامت عليها هذه البلاد منذ تأسيسها. وفي كل عام تتجدد البيعة، ويتجدد معها الشعور بالفخر بما تحقق، والثقة بما هو قادم، والإيمان بأن وطننا يسير بخطى ثابتة نحو مستقبل أكثر قوة وازدهاراً.
ومنذ تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز مقاليد الحكم، شهدت المملكة مسيرة متسارعة من التطوير والتحديث، مع المحافظة على ثوابت الدولة وقيمها وهويتها، وبرزت خلال هذه المرحلة مشاريع وبرامج وطنية ضخمة امتدت آثارها إلى مختلف مناطق المملكة ومحافظاتها ومدنها وقراها.
الإنسان أولاً
يبقى الإنسان السعودي هو أعظم قصة نجاح في هذه المرحلة. فمهما بلغت قيمة المشروعات، ومهما اتسعت المدن، ومهما تطورت التقنية والاقتصاد، فإن الإنسان هو الأساس الذي تقوم عليه التنمية، وهو القادر على حماية مكتسبات الوطن واستثمارها وصناعة مستقبلها.
وقد أولت الدولة التعليم والتدريب والتأهيل عناية كبيرة، وأصبح الطالب السعودي يحظى بفرص واسعة للتعلم والتطوير واكتساب المهارات التي يحتاجها سوق العمل في المستقبل.
فالمدرسة اليوم لم تعد مكاناً لتلقين المعلومات فقط، والجامعة لم تعد مجرد شهادة يحصل عليها الطالب، بل أصبحت المنظومة التعليمية تسعى إلى بناء شخصية الطالب، وتنمية قدراته، وتعزيز التفكير والإبداع والابتكار، وربطه بمتطلبات العصر وسوق العمل.
والطالب السعودي اليوم يعيش في بيئة مختلفة عما كانت عليه الأجيال السابقة؛ أمامه الجامعات المتقدمة، والمنح والابتعاث، والمنصات التعليمية، والتدريب المهني والتقني، والفرص الجديدة في مجالات البرمجة والذكاء الاصطناعي والطاقة والصناعة والسياحة والاقتصاد الرقمي وغيرها.
وهذا هو الاستثمار الحقيقي؛ أن نبني إنساناً يمتلك العلم والمهارة والثقة والمسؤولية، ويعرف أن مستقبله مرتبط بمستقبل وطنه.
اقتصاد قوي ومتنوع
ومن أبرز التحولات التي شهدتها المملكة التطور الاقتصادي الكبير، والسعي إلى بناء اقتصاد متنوع لا يعتمد على مصدر واحد للدخل.
وجاءت رؤية المملكة 2030 لتفتح أبواباً واسعة أمام قطاعات جديدة، وتشجع الاستثمار، وتدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتعمل على تطوير الصناعة والتعدين والسياحة والترفيه والخدمات اللوجستية والتقنية والاقتصاد الرقمي.
وأصبحت المملكة اليوم مركزاً اقتصادياً مهماً في المنطقة، تستقطب الاستثمارات والمشروعات الكبرى، وتعمل على تعزيز مكانتها في الاقتصاد العالمي.
والأهم من ذلك أن المواطن أصبح جزءاً أساسياً من هذه الحركة الاقتصادية؛ من خلال فرص العمل، ودعم رواد الأعمال، وتمكين الشباب والشابات، وتطوير المهارات، وفتح مجالات جديدة للعمل والإنتاج.
إن الاقتصاد القوي ليس مجرد أرقام ومؤشرات، بل هو اقتصاد ينعكس أثره على حياة المواطن، ويوفر فرصاً أفضل لأبنائه، ويؤسس لمستقبل أكثر استقراراً للأجيال القادمة.
بنية تحتية تصنع المستقبل
وفي مجال البنية التحتية، شهدت المملكة تطوراً واسعاً امتد إلى الطرق والجسور والمطارات والموانئ وشبكات المياه والكهرباء والاتصالات والخدمات البلدية والإسكان.
وأصبحت المدن السعودية تشهد توسعاً عمرانياً كبيراً، ومشروعات نوعية تهدف إلى رفع جودة الحياة وتسهيل حركة المواطنين والمقيمين، وربط مناطق المملكة بعضها ببعض.
كما أن تطوير البنية التحتية لم يعد مرتبطاً بالحاضر فقط، بل أصبح موجهاً للمستقبل، بما يتناسب مع النمو السكاني والاقتصادي، ويواكب التحول التقني والاقتصادي الذي تشهده البلاد.
ومن يشاهد المملكة اليوم، وما وصلت إليه مدنها وطرقها ومطاراتها وموانئها ومرافقها، يدرك حجم العمل الذي بذلته الدولة في بناء وطن حديث يمتلك مقومات المنافسة العالمية.
قوات مسلحة تحمي الوطن
ولا يمكن الحديث عن مسيرة المملكة ونهضتها دون الحديث عن أمنها وقواتها المسلحة.
فالتنمية لا يمكن أن تزدهر من دون أمن، والاقتصاد لا يمكن أن ينمو من دون استقرار، والمشروعات لا يمكن أن تستمر من دون قوة تحمي حدود الوطن ومقدراته.
وقد حظيت القوات المسلحة وقطاعات الأمن والدفاع باهتمام كبير، من خلال التطوير والتحديث والتدريب ورفع الجاهزية، والاستفادة من أحدث التقنيات والمنظومات الدفاعية.
وأصبح الجندي السعودي مثالاً في الانضباط والتضحية والوفاء، يقف على حدود الوطن وفي ميادين العمل العسكري والأمني، حاملاً مسؤولية عظيمة تتمثل في حماية الوطن ومقدراته وأمن مواطنيه.
وما نشهده من نهضة اقتصادية وتنموية هو نتيجة طبيعية للأمن والاستقرار الذي تنعم به المملكة، بفضل الله ثم بفضل القيادة الرشيدة ورجال الأمن والقوات المسلحة وكل من يسهر على حماية هذا الوطن.
الصحة وجودة الحياة
وفي القطاع الصحي، شهدت المملكة تطوراً كبيراً في مستوى الخدمات الطبية، والتوسع في المستشفيات والمراكز الصحية، ورفع كفاءة الخدمات، والاستفادة من التقنية الحديثة.
وأصبح الاهتمام بصحة الإنسان جزءاً أساسياً من مفهوم التنمية، لأن المواطن الصحيح القادر على العمل والإنتاج هو أساس المجتمع القوي.
كما أصبحت جودة الحياة هدفاً واضحاً في مسيرة التنمية، من خلال تطوير المدن، والحدائق، والمرافق الرياضية والثقافية والترفيهية، وتهيئة بيئة أفضل للمواطن والمقيم والزائر.
التقنية والتحول الرقمي
ومن المجالات التي شهدت تحولاً لافتاً التقنية والتحول الرقمي.
فالمملكة لم تعد تكتفي باستخدام التقنية، بل أصبحت تسعى إلى أن تكون من الدول المتقدمة في مجالات الذكاء الاصطناعي والبيانات والخدمات الرقمية والابتكار.
وأصبح المواطن يستطيع إنجاز كثير من معاملاته الحكومية إلكترونياً، دون الحاجة إلى مراجعة الجهات كما كان يحدث في السابق، وهو تحول اختصر الوقت والجهد ورفع كفاءة الخدمات.
وهذا التطور يؤكد أن المملكة لا تنظر إلى المستقبل باعتباره أمراً بعيداً، بل تعمل على صناعته من اليوم.
تمكين الشباب
وللشباب في هذه المرحلة حضور مختلف.
فالشاب السعودي لم يعد ينتظر الوظيفة الحكومية باعتبارها الخيار الوحيد، بل أصبح أمامه مجال واسع لريادة الأعمال والعمل في القطاع الخاص والمشروعات الجديدة والقطاعات الحديثة.
وهذا التحول مهم جداً؛ لأن الوطن الذي يثق بشبابه ويمنحهم الفرصة هو وطن يضمن لنفسه الاستمرار والتجدد.
وقد أثبت الشباب السعودي أنهم أهل لهذه الثقة، من خلال نجاحاتهم في مختلف المجالات، داخل المملكة وخارجها، وأصبحوا يمثلون صورة مشرقة للوطن في المحافل الدولية.
وطن يحافظ على هويته
ومع كل هذا التطور، حافظت المملكة على هويتها وقيمها وأصالتها، فلم يكن التحديث على حساب الثوابت، ولم تكن النهضة الاقتصادية سبباً في التخلي عن الموروث الوطني والاجتماعي.
وهذه معادلة مهمة؛ أن تتقدم الدولة في التقنية والاقتصاد والعمران، وفي الوقت نفسه تحافظ على تاريخها وقيمها ولغتها وتراثها وهويتها.
فالمملكة ليست وطناً حديثاً بلا جذور، وإنما دولة تستند إلى تاريخ عريق، وتبني مستقبلها وهي متمسكة بأصالتها.
رؤية وطنية لمستقبل أكبر
لقد أصبحت رؤية المملكة 2030 إطاراً واسعاً لمسيرة التحول، وأصبحت المشروعات الكبرى شاهدة على حجم الطموح، من المدن والمشروعات السياحية والاقتصادية، إلى تطوير البحر الأحمر، والقدية، والعلا، والمشروعات الصناعية والتقنية وغيرها.
وهذه المشروعات ليست مباني ومواقع فقط، وإنما منظومة اقتصادية متكاملة تستهدف خلق فرص جديدة، وتنويع الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، وتطوير السياحة، ورفع جودة الحياة، وإيجاد بيئة تنافسية عالمية.
والمملكة اليوم لا تنتظر أن يأتي المستقبل إليها، بل تسعى إلى أن تكون شريكاً رئيسياً في صناعته.
ذكرى وفاء وتجديد عهد
وفي ذكرى البيعة، يبقى أعظم ما نملكه هو هذا التلاحم بين القيادة والشعب، وهذا الشعور الذي يجمع أبناء الوطن على المحبة والوفاء والاعتزاز بالوطن وقيادته.
اثنا عشر عاماً حملت الكثير من الإنجازات والتحولات، وما زالت المسيرة مستمرة، والطموح أكبر، والفرص أوسع، والمستقبل بإذن الله يحمل للمملكة وأبنائها المزيد من الخير.
إن الوطن الذي يبني اقتصاده، ويطور بنيته التحتية، ويقوي دفاعه، ويهتم بصحة مواطنيه، ويطور تعليمه، ويمكّن شبابه، ويستثمر في التقنية، ويضع الإنسان في مقدمة أولوياته؛ هو وطن يعرف جيداً كيف يصنع المستقبل.
وفي هذه المناسبة الغالية، نجدد الولاء والوفاء لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ـ حفظه الله ـ، ونسأل الله أن يمده بالصحة والعافية، وأن يحفظه ويعينه على خدمة وطنه وشعبه.
كما نسأل الله أن يحفظ سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وأن يوفقه ويسدد خطاه، وأن يعينه على مواصلة مسيرة البناء والتنمية وتحقيق طموحات هذا الوطن العظيم.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعباً، وأدام عليها أمنها واستقرارها وعزها، وحفظ رجال أمنها وقواتها المسلحة، ووفق أبناءها وبناتها لخدمة وطنهم، وجعل مستقبل هذه البلاد دائماً أكثر إشراقاً وازدهاراً.
فالبيعة ليست ذكرى نستعيدها، بل عهدٌ يتجدد، ومسيرةٌ تستمر، ووطنٌ نبنيه جيلاً بعد جيل.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى