/
/
أزمة الصحافة: من عرش الورق إلى سطوة الخوارزمية

أزمة الصحافة: من عرش الورق إلى سطوة الخوارزمية

Picture of بقلم _ محمد سعد آل ماضي

بقلم _ محمد سعد آل ماضي

لم تعد الأزمة التي تعصف بالصحافة المطبوعة مجرد منافسة عابرة على جذب القارئ، بل تحولت منذ تسعينيات القرن الماضي إلى تحول هيكلي هدد وجودها في العمق. فقد تجاوز الفضاء الرقمي في أثره كل التحولات التاريخية السابقة، بما فيها ظهور البث التلفزيوني، ليعيد رسم مشهد الإعلام العالمي برمته.
تكمن جذور القضية في انهيار النموذج الاقتصادي التقليدي؛ إذ أتاح الإنترنت نقل الأخبار بسرعة فائقة وبكاليف شبه معدومة، مما جعل الطباعة والتوزيع التقليديين عبئاً مالياً ضخماً. ونتيجة لذلك، نزحت الميزانيات الإعلانية نحو شبكات التكنولوجيا الكبرى. ففي عام 2015، استحوذت خمس شركات تقنية (غوغل، فيسبوك، ياهو، مايكروسوفت، وتويتر) على نحو 65% من إجمالي عوائد الإعلانات الرقمية العالمية البالغة حينها 60 مليار دولار. ومع مرور الوقت، تركّز النفوذ الإعلاني في يد شركتي “غوغل” و”ميتا”، مما دفع منظمات دولية مثل “اليونسكو” للتحذير من خطر داهم يهدد بقاء الصحافة المستقلة والاحترافية.
وحتى المحاولات التي بذلتها الصحف عبر إطلاق مواقع إلكترونية لم تكن كافية لتعويض الخسائر؛ إذ اعتادت الجماهير على المحتوى المجاني، واقتصرت العوائد الإعلانية الرقمية على مبالغ ضئيلة مقارنة بأرباح العصر الذهبي للمطبوعات. وقد دفع هذا الانهيار بمركز “بيو” للأبحاث إلى وصف عام 2015 بأنه العام الأسوأ على الصحافة منذ مرحلة الكساد الكبير في عشرينيات القرن الماضي.
هذا التدهور المالي انعكس بوضوح على أرض الواقع؛ فبين عامي 2005 و2021 أغلقت أكثر من 2200 صحيفة ورقية أبوابها في الولايات المتحدة، وخسرت غرف الأخبار نصف زملائهم الصحفيين. كما تراجعت نسبة انتشار الصحف بشكل حاد، لتنخفض من 1200 صحيفة لكل 100 مليون نسمة في عام 1945 إلى 400 صحيفة فقط في عام 2014.
ولم تقتصر الآثار على الجانب الاقتصادي، بل امتدت لتحدث حالة من التبلد الفكري لدى المتلقي. ففي ظل الهرولة نحو نشر الأخبار السريعة لإرضاء الخوارزميات وجلب المشاهدات، تراجعت التحقيقات الصحفية العميقة والتحليلات الرصينة، ليحل محلها محتوى سطحي يُشتت القارئ ويُضعف حسه النقدي أمام القضايا الجوهرية.
ولمواجهة هذا الخطر الوجودي، اتخذت المؤسسات الإعلامية مسارات اضطرارية لتفادي الإفلاس؛ حيث اتجه بعضها نحو التحول الرقمي الكامل والاستغناء عن النسخ الورقية كما فعلت صحيفة “الإندبندنت” البريطانية، ومجلة “نيوزويك”، وصحيفة “كريستيان ساينس مونيتور”. وفي المقابل، اختارت مؤسسات أخرى تقليص التكاليف عبر التخلي عن مقراتها ومكاتبها المادية تماماً، مثل صحيفتي “نيويورك ديلي نيوز” و”ميامي هيرالد”، بينما اضطرت مؤسسات ثالثة للاندماج والاستحواذ تحت مظلة صناديق استثمارية اتبعت سياسات مالية صارمة لضمان استمراريتها.
أدى التحول الرقمي واحتكار شركات التكنولوجيا لغالبية الإعلانات إلى انهيار النموذج المالي للصحافة الورقية، مما تسبب في إغلاق آلاف المطبوعات وتراجع أدوار الصحافة الاستقصائية. ومع أن المؤسسات حاولت التكيف عبر التحول الرقمي وخفض التكاليف والاندماج، إلا أن هيمنة السرعة الرقمية خلقت ظاهرة تسطيح المعرفة والتبلد الفكري لدى الجمهور.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى