الملاحظ ان بعض الناس يعتقدون ان هناك رابطا بين الحالة الابداعية والمعاناة، لانهم يعتبرون المأساة من شروط العمل الفني الجيد. واعتقد ان هذا التصور يحتاج الى اعادة نظر، لان المعاناة في ذاتها لا تمنح الجمال فرصة الظهور، بقدر ما تبدو مؤلمة ومرتبكة، الا حين يتدخل الكاتب ويمنحها معناها الحقيقي من خلال الكتابة.
فالمعاناة لم تكن فنا، كما ان الحزن ليس نصا، والخذلان لا يتحول تلقائيا الى قصيدة ، فالتجربة المؤلمة ليست سوى مادة خام، وياتي دور الكاتب في ان يفهمها، ويعيد ترتيبها، ويمنحها شكلا يستطيع الآخرون ان يروا انفسهم فيه.
وربما لا يكون الابداع ابنا للالم بقدر ما هو ابن للمسافة التي يصنعها الكاتب بينه وبين الالم ، فالكاتب لا يكتب لانه تألم فقط، بل لانه استطاع ان يحول ما تألم منه الى سؤال ، وهذي النقلة هي التي تصنع الفرق بين تجربة شخصية تنتهي بانتهاء صاحبها، وتجربة فنية تستطيع ان تعيش بعده.
ولهذا لا اؤمن كثيرا بفكرة الفنان المعذب التي شاعت طويلا. فهي توحي احيانا بان على الفنان ان يبقى جريحا حتى يظل مبدعا. والحقيقة ان الكاتب لا يحتاج الى ان يكون مكسورا لكي يكتب عن الانكسار على اعتبار بان الابداع في جوهره ليس احتفالا بالمعاناة، بل محاولة لفهمها.














