هناك فقدٌ يحزنك، وفقدٌ يغيّرك، وفقد الأب أو الأم من ذلك النوع الذي لا يترك الإنسان كما كان.
خصوصًا حين تفقدهما وأنت كبير؛ بعد أن عرفت حنان الأم، وسند الأب، واعتدت وجودهما حتى ظننته من ثوابت الحياة.
نؤجل الزيارة، ونختصر المكالمة، ونقول: غدًا أجلس معهم. ولا ندري أن ما نؤجله اليوم قد يصبح غدًا أمنية لا يملك تحقيقها أحد.
بعد رحيل أحدهما تفهم لماذا كان كبار السن يقولون: لكل شيء عوض، إلا الأب والأم.
ليس لأن فقد الآخرين هيّن، ولكن لأنهما أصل الحكاية؛ أحباك قبل أن يعرفك الناس، وفرحا بك قبل أن يكون لديك إنجاز أو مال أو مكانة.
وحين يرحلان، تمضي الحياة فعلًا، لكنك لا تمضي كما كنت. تفرح فتقول: ليت أبي رأى هذا. وتتعب فتشتاق إلى سؤال أمك. وتمر بالمكان نفسه فتشعر أن شيئًا من الحياة غادره.
لذلك، إن كان أبوك أو أمك بقربك، فلا تمنحهما ما يتبقى من وقتك، بل اجعل لهما نصيبًا منه. اجلس، ومازح، ورافق، وأطل الحديث، وردّ على الاتصال.
فنحن لا نعرف متى تكون آخر جلسة، أو آخر مكالمة، أو آخر مرة تسمع فيها أحدهما يناديك:
يا ولدي.














