/
/
الاستثمار الأكبر

الاستثمار الأكبر

Picture of بقلم _ عائض الشعلاني

بقلم _ عائض الشعلاني

مما دفعني إلى كتابة هذا المقال حوارٌ عفوي لكنه كان صادماً كنت أمازح أحد شبابنا فقلت له يا فلان تأخرت في الزواج إلى الآن ما تزوجت ابتسم ابتسامة امتزجت بالسخرية وقال لا والله ما هي حكاية تأخير يا أبو سعد لكنني أخذت العبرة من الشباب الذين أعرفهم والذين معي في الاستراحة من المتزوجين ولا يطري عليّ على الأقل في الوقت الراهن إلا إذا رخص الحليب والحفائظ قالها وهو يضحك لكنني شعرت أن تلك الضحكة كانت تخفي وراءها كثيراً من القلق والألم .

وأضاف قائلاً أمي تقول لي تزوج خلني أشوف عيالك أقول لها أبشري وفي نفسي أظنك ستنتظرين كثيراً إن لم يتغير الحال الدنيا أصبحت مشتعلة منذ مجرد التفكير في الزواج والملكة بالله عليك كيف أكون أسرة وأستأجر بيتاً وأنجب أطفالاً وأشتري سيارة بالتقسيط وأدفع فواتير الكهرباء والماء والاتصالات هذا غير مصاريف الحياة التي لا تنتهي وراتبي ستة أو سبعة آلاف ريال بالله عليك تكفي لمن لي أم للبيت أم للزوجة والأطفال والله إنني في منتصف الشهر أكون الممول لزملائي بالسلف ثم نجتمع آخر الشهر فأفتح الورقة فلان سدد وفلان يقول خلها للشهر الجاي لا يا أخي خلني كذا مرتاح وما فاز فيها إلا أنتم يا الكبار يوم كانت الدنيا سهالات وفيها بركة وما لعب بالناس إلا القروض والبنوك التي تعطي الناس ثم تخنقهم .

انتهى حديثه لكن كلماته بقيت عالقة في ذهني لم تكن شكوى فرد بل كانت لسان حال شريحة واسعة من الشباب الذين لا يرفضون الزواج ولا يكرهون تكوين الأسرة وإنما يخشون مسؤولياتها في ظل أعباء اقتصادية متزايدة وبعضها زادته العادات والتقاليد كلفةً ومشقة حتى أصبح كثير منهم يؤجل قرار الزواج عاماً بعد عام .

ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال لأن القضية لم تعد مرتبطة برغبة الشباب في الزواج أو الإنجاب بقدر ما أصبحت مرتبطة بقدرتهم على تحمل تكاليف الحياة وبحجم الدعم الذي يمكن أن تقدمه الدولة والمجتمع حتى تبقى الأسرة السعودية قوية ومستقرة وقادرة على أداء دورها في بناء مستقبل الوطن.

لم يعد الحديث عن انخفاض معدلات الإنجاب مجرد نقاش اجتماعي بل أصبح قضية استراتيجية ترتبط بمستقبل الاقتصاد وسوق العمل والتنمية المستدامة والأمن الوطني فالدول تُبنى بالإنسان وكل رؤية تنموية بعيدة المدى تحتاج إلى قاعدة سكانية شابة ومتنامية وقادرة على الإنتاج والعطاء وقد شهدت المملكة العربية السعودية خلال العقود الماضية تحولاً ديموغرافياً واضحاً إذ انخفض معدل الخصوبة من أكثر من سبعة أطفال لكل امرأة في سبعينيات القرن الماضي إلى نحو 2.7 طفل لكل امرأة سعودية في عام 2024 ويعكس هذا التحول تغيرات اقتصادية واجتماعية وثقافية متسارعة تستوجب التعامل معها بسياسات استباقية تضمن استدامة النمو السكاني جنباً إلى جنب مع التنمية الاقتصادية .

اعلان

وتشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن نجاح سياسات دعم الأسرة لا يرتبط بمجرد تقديم إعانات مالية بل بتكاملها مع سياسات السكن ورعاية الأطفال وإجازات الوالدين واستقرار سوق العمل كما تُظهر التجارب الدولية أن بعض الدول التي خصصت إنفاقاً كبيراً للأسرة لم تحقق ارتفاعاً مستداماً في معدلات الإنجاب لأن الدعم كان محدود المدة أو معقد الإجراءات أو لم يخفف فعلياً من تكاليف السكن ورعاية الأطفال ومن هنا تبرز تجربة المجر بوصفها نموذجاً حديثاً اعتمد حزمة واسعة من الحوافز شملت الإعفاءات الضريبية للأسر وقروضاً مدعومة للزواج والسكن وإعفاءات أو تخفيضات مرتبطة بعدد الأطفال إلى جانب دعم شراء المساكن وتجديدها وقد ارتفع معدل الخصوبة فيها مقارنة بمستوياته السابقة كما حققت سنغافورة نتائج جُزئية من خلال منح الولادة وحسابات الادخار المخصصة للأطفال ودعم تكاليف رعاية الطفل وإجازات الوالدين وبرامج الإسكان الحكومي غير أن ارتفاع تكاليف المعيشة وضغط العمل جعلا رفع معدلات الإنجاب تحدياً مستمراً وهو ما يؤكد أن الحوافز المالية لا تنجح وحدها ما لم ترافقها بيئة اجتماعية ومهنية داعمة .

وتكشف هذه التجارب أن الإجراءات الأكثر فاعلية تتمثل في دعم السكن وتوفير حضانات عالية الجودة بأسعار ميسرة ومنح إجازات أمومة وأبوة مدفوعة ومرنة وحماية المسار الوظيفي للأم وتقديم دعم مالي منتظم لا يقتصر على فترة الولادة إضافة إلى تبسيط الإجراءات ووصول الدعم إلى الأسر المتوسطة ومحدودة الدخل يمثلان شرطين أساسيين لنجاح أي سياسة سكانية .

وعليه فإن الاستفادة من التجارب الدولية لا تعني نقل نموذج جاهز بل بتصميم و سياسة سعودية متكاملة تراعي خصوصية المجتمع وتكاليف المعيشة وأنماط العمل والسكن فالدعم الفعال ينبغي أن يبدأ قبل الزواج من خلال تيسير تكاليفه ويمتد إلى توفير السكن ورعاية الطفل والتعليم وتمكين الوالدين من تحقيق التوازن بين العمل والأسرة فلم تعد الرغبة في تكوين أسرة كبيرة هي العائق بل أصبحت التحديات الاقتصادية والاجتماعية العامل الأكثر تأثيراً في قرار الإنجاب ومن أبرزها ارتفاع تكاليف السكن والإيجارات وتأخر سن الزواج وارتفاع تكاليف تربية الأبناء حتى التعليم الجامعي وصعوبة التوفيق بين العمل والأسرة خاصة للأم العاملة وارتفاع تكاليف الحضانات ورعاية الأطفال والقلق من الالتزامات المالية المستقبلية .

واليوم لم يعد دعم الأسرة يُنظر إليه باعتباره إنفاقاً إجتماعياً بل أصبح استثماراً مباشراً في رأس المال البشري وهو الاستثمار الأعلى عائداً على المدى الطويل فالطفل الذي يحظى بالرعاية الصحية والتعليم والدعم المناسب اليوم سيكون بعد سنوات طبيباً أو مهندساً أو معلماً أو باحثاً أو رائد أعمال يسهم في نمو الاقتصاد الوطني ولهذا فإن بناء منظومة متكاملة لدعم الأسرة السعودية ينبغي أن يكون أحد أهم المشاريع الوطنية خلال العقود المقبلة وذلك من خلال تبني حزمة من المبادرات من أبرزها تقديم دعم مالي متدرج للأسر وفق عدد الأطفال وأعمارهم ومراحلهم التعليمية وإنشاء صندوق لرعاية الطفل منذ الولادة وحتى دخوله المرحلة التمهيدية وتمكين الأم العاملة عبر إجازات أمومة أطول وتوفير الدعم اللازم لها وتعزيز برامج الإسكان وتوفير مساكن مناسبة برسوم أو أقساط ميسرة وإنشاء حساب ادخار لكل مولود ينمو حتى بلوغه سن الرشد ودعم الزواج من خلال المساهمة في تكاليف الزواج وتأثيث المنزل بمنح غير مستردة وتقديم حوافز تشجيعية للأسر وتعزيز ثقافة الأسرة والاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في دعم الإنجاب والاستقرار الأسري .

ومن المبادرات التي تستحق الدراسة أيضاً إدراج حوافز خاصة لدعم الزواج المتعدد في الحالات التي يتم فيها وفق الضوابط الشرعية والنظامية باعتباره خياراً مشروعاً قد يسهم في تعزيز الاستقرار الأسري وزيادة معدلات الإنجاب لدى الأسر القادرة على تحمل مسؤولياته ويمكن أن تتضمن هذه الحوافز دعماً مالياً أو مزايا اجتماعية تُمنح للأسرة بحيث تحصل الزوجة الأولى على مكافأة تقديراً لدورها في استقرار الأسرة وتشجيعها لهذا الخيار كما تستفيد الزوجة الثانية ثم أي زوجة لاحقة من حوافز مماثلة وفق ضوابط تضمن تحقيق العدل وصون الحقوق واستقرار جميع أفراد الأسرة فالمقصود ليس تشجيع التعدد لذاته وإنما دعمه بوصفه أحد الخيارات المشروعة التي قد تسهم إلى جانب بقية المبادرات في تعزيز النمو السكاني وبناء أسر مستقرة قادرة على الإسهام في تنمية الوطن شريطة أن يقترن بالقدرة المالية والمسؤولية الأسرية والالتزام الكامل بحقوق الزوجات والأبناء .

فالأسرة السعودية ليست مجرد شأن اجتماعي بل هي أساس التنمية وحاضنة القيم ومصنع رأس المال البشري الذي تقوم عليه خطط المستقبل وكل طفل يولد اليوم هو طبيب أو مهندس أو معلم أو جندي أو باحث أو رائد أعمال في الغد يسهم في بناء وطنه وتعزيز ازدهاره ومن هنا فإن دعم الأسرة وتيسير الزواج وتشجيع الإنجاب وإزالة العوائق الاقتصادية أمام الشباب ليست نفقات اجتماعية بل استثمار وطني طويل الأمد تتجاوز عوائده الفرد والأسرة لتصل إلى الاقتصاد والأمن والاستقرار ومستقبل المملكة بأكمله وإذا كانت رؤية المملكة تستثمر في الإنسان فإن البداية الحقيقية لهذا الاستثمار هي الأسرة السعودية فهي أولاً وهي الأساس وهي المستقبل .

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى