حين تُثقل كاهل الوطن الأوجاع، وتغدو الحروف لوعات تتردد في صدورنا نحن أبناء اليمن، يجد الصحفي والمثقف نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما… إما الاستسلام لمرارة الواقع والانكفاء على النّدوب، أو البحث عن نوافذ للضوء والأمل نُثبت من خلالها للعالم أن طائر الفينيق اليمني قادر على التحليق والإبداع مهما بلغت قسوة الظروف وعاتيات الزمن.
من رحم هذا المخاض، ومن قلب هذه الثنائية المترعة بالمواجع والأمل، ولدت مقالتي «روح السعودية.. وطن يُسافر بك» المنشورة في صحيفة «أضواء الوطن».
ولم تكن تلك السطور في نظري مجرد حبر على ورق، بل كانت نافذة أتنفس منها الجمال، ومحاولة صادقة لفك شفرة التحول التاريخي الهائل الذي تشهده المملكة العربية السعودية الشقيقة. واليوم، تبتسم لي الحروف مجدداً وهي تتوجني بجائزة أفضل مقال صحفي سياحي في الوطن العربي لعام 2026 للعام الثاني على التوالي من قِبل الاتحاد العربي للإعلام السياحي، في إنجاز أهديه لكل قلم حرٍ يأبى أن ينكسر.
إن اختياري للكتابة عن السياحة السعودية لم يكن وليد الصدفة، ولا مجرد رصد لخطط تنموية جامدة؛ بل جاء مدفوعاً بوعي يقيني بعمق النموذج السعودي المعاصر الذي يقدم اليوم قراءة ملهمة لكيفية صناعة المستقبل والاحتفاء بالتاريخ في آنٍ معاً.
وفوق هذا الوعي المهني، كان هناك دافع وجداني نبيل؛ وهو الحب الخالص والامتنان العظيم الذي أكنّه، ويكنّه كل يمني شريف، لهذا البلد العظيم قيادةً وشعباً.
فالمملكة كانت وما زالت الجار الوفي والسند الحاضن للآمال، والكتابة عن قاطرة الجمال والتنمية فيها هي أقل ما يمكن أن يقدمه قلم يؤمن بوحدة المصير المشترك ويسعى لبناء جسور المحبة والإخاء بين الأشقاء.
لقد حاولت في مقالي الفائز أن أصهر بلاغة الكلمة مع واقعية التحول؛ فتتبعت كيف تحولت التضاريس والصحاري والبحر الأحمر إلى قصائد نابضة بالتحول الرقمي والرؤية الطموحة، وكيف استطاع جيل سعوديٌ مبدع أن يبهر العالم وهو يقدم هويته العريقة في قوالب العصر الحاضر.
إن انتزاع هذا الفوز العربي الكبير وسط منافسة محتدمة بين قامات إعلامية من 14 دولة عربية، يضاعف من مسؤوليتي المهنية، ويؤكد أن المحتوى الإبداعي العميق والرصين هو وحده الكفيل بترك أثر باقي وعابر للحدود.
وفي غمرة هذا الاحتفاء، يملؤني الوفاء لمن فتحوا للحرف أبواب السّموق، ولم يبخلوا بالدعم والمساندة؛ وهنا أتوجه بآيات الشكر والامتنان والعرفان لسعادة الأستاذ المخضرم بشير الرشيدي، رئيس تحرير صحيفة أضواء الوطن.
لقد كان الأستاذ بشير — بروح القائد الإعلامي الحريص وبصيرته الحصيفة — هو الحاضن الأول لهذا النص، وصاحب الفضل في إتاحة هذه الصحيفة الراقية ليرى المقال النور ويصل برسالته إلى المدى العربي الأرحب.
إن إيمانه بنبض قلمي وتشجيعه المستمر لي هو وسام أعتز به في مسيرتي.
ختاماً، إن هذا التتويج هو رسالة واضحة لكل مبدعي وطني الغالي اليمن… إن مواجعنا كبيرة، لكن طاقاتنا وإبداعاتنا أكبر. ستظل أقلامنا رشيقة، جزيلة، تحارب القبح بالجمال، وستظل كلماتنا تنشد الفرح والتميز والتألق، حاملين لواء الريادة والإبداع أينما حللنا وارتحلنا.














