في أوقات السَّعة والرخاء، يعجّ المكان بالمحبين والمعارف والمهلِّلين، وتكثر المناسبات والدعوات، وتتوالى الاتصالات، فتمتلئ المجالس بالوجوه وتزدحم بالكلمات. فإذا ما ألّمت بالمرء نوائب الدهر وضاق به الحال وداهمته عاديات المرض، انقلب المشهد وتغيرت الأحوال، وانقلبت الآية ليغدو المرء حبيس جدرانه، يطول عليه الليل سرمداً مسامراً لوحدته وآلامه، لا يونس وحشته إلا صمت الجدران. هذا هو المتعارف عليه والمتوقع والسائد في طبائع البشر، وغالباً ما تتأكد دائرته، لكنّ الأقدار العظيمة تأتي أحيانًا لتنسف هذه القاعدة تمامًا وتثبت أن رصيد المحبة الصادقة لا يخضع لقوانين المصالح.
ربما يقلّ الزوار في الظروف العادية إلا لمناسبة عامة أو استجابة لدعوة عابرة، ولكن أن يتكاثر المحبون ويتوافدون بالمئات أمام مداخل المستشفى ويتزاحمون للاطمئنان عليه، قاطعين المسافات الطويلة برًا وجوًا، هجروا أعمالهم ومنازلهم شوقًا لعيون رجل عانق القلوب بنقائه، فهذا أمرٌ لا يصنعه إلا الحب الخالص في الله والوفاء النادر.
ثم حين يعود إلى منزله المشرع بالبشر، وعلى مدى أكثر من شهر كامل، تظل الوفود تترى عليه زرافات ووحدانًا كأنها تحتفي بعيد عودة رجل أنعش الروح في محيطها. ما هذا إلا لرجل نحسبه والله حسيبه من أهل القبول في السماء والأرض، وما جاء هذا الرصيد الهائل من الحب بين عشية أو ضحاها إنما هو نتاج تاريخٍ مشرقٍ ومسيرة طويلة من رقيّ التعامل وحسن المعشر والمواقف النبيلة مع الصغير والكبير، والوقوف المخلص مع المحتاجين وضعفاء الحال، والنساء اللواتي اضطررن يومًا لطلب العون، فوقفن على بابه فما وجدن إلا السند والشهامة، لا يمنعه عن فعل الخير مانع، ولا تشغله عن خدمة الناس شاغل.
فحين تتحدث إليه أو تطلبه في منفعة ما، تشعر بكل صدق بأنك أعز الناس وأغلاهم وأهم شخصية بالنسبة له. فالعجيب أن هذا ديدنه الثابت مع الكل، والجميع يهتم لأمرهم ويصغي إليهم بكل جوارحه، ويركز حتى في تفاصيل أحاديثهم، لدرجة أن المتحدث يسترسل في الكلام وهو يجد أذناً صاغية وقلباً مفتوحاً يتسع بهموم الجميع وكأنها همه الوحيد.
لقد قدّر الله له الابتلاء بالمرض وكتب له النجاة بفضله سبحانه، حيث تسارع الناس للتبرع له بلا تردد، وسبقهم إلى ذلك أبناؤه البررة الأوفياء، ووقع الاختيار على إحدى بناته الفاضلات التي أبت إلا أن تكون جزءًا من جسد أبيها، ليعود ويمشي بيننا سليماً معافى، فكلل الله العملية بالنجاح الباهر وكتب السلامة للوالد والرمز والرجل والإنسان الشيخ منصور بن علي العليبي الهجهاجي الغامدي شيخ قبيلة الهجاهجة، متعه الله بالصحة والعافية. لقد رأينا الوفود والجماعات والشعر والشعراء والشيوخ والأعيان يتقاطرون من كل حدب وصوب، تنبض ألسنتهم بالدعاء الصادق ومشاعر الحب والامتنان، وما ذاك إلا لأن الله زرع محبته في قلوب خلقه، فاستحق الاحترام والتقدير الفائق لشخصه الكريم. لقد كان وما زال عنواناً يجمع مكارم الأخلاق والأدب الجم وصفاء القلب وسلامة النفس، “وما يُلقاها إلا ذو حظٍ عظيم”. وحسبه من المجد هذا الإجماع الفريد وهذا الالتفاف العفوي الذي يروي للأجيال معنى أن يكون الإنسان إنساناً بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
بقلم : عائض الشعلاني.














