/
/
العيش في ظلال المذكرات

العيش في ظلال المذكرات

Picture of بقلم _ سالم صعيكر البلوي

بقلم _ سالم صعيكر البلوي

هذا العنوان اقتبستُه من كتاب (هوى النفوس) لمحمد عبدالعزيز الهجين، وهذا الكاتبُ نذرَ نفسَه لهذا الفنِّ الأدبي المغري، المؤنس، المُشجي، وهو مما راق لي حيث إنِّي من غُواةِ المذكراتِ والسيرِ الذاتيةِ، وما زاد من تعلُّقي بحب المذكرات هو هذه العزاءات التي تفيض بها حكاياتُ العمر وهمومُ السنينَ لأشخاصٍ عاشوا وكابدوا وإن كانوا لامعين في سماوات الفكر والأدب والثقافة، هذه الحكايات والتفاصيل التي تُسْرد في طوايا الصفحات وإن كان في بعضها من التفاصيل اليومية المتكررة التي لا يُؤبه بها؛ إلا أنَّها تُحدث في قارئها ما لا تفعل الخمرُ في شاربها إذا أحسن استشفاف العبرة، حتى وإن كان كاتُبها ممن إذا غاب لا يُفتقدُ وإذا حضر لا يُعَدُّ، يقول عبدالوهاب مطاوع: “لو صدرتْ مذكراتُ ماسح أحذية لما تردَّدْتُ في اقتنائها باحثاً بين السطور عن خبرة حياته، وتجرِبتِه الشخصية التي تُعِينُنِي على فهم الحياة!”.
هذا القولُ تأمَّلتُه كثيراً واستوقفتني العبارةُ مليَّا لأنَّها تشرح موقفاً يسود عن طبقة المهمشين وماذا لديهم ليقدموه، هكذا يظنُّ أهل البلادة ثُقلاءُ النفوس، ولكن ثَمَّت آخرون دائماً ما يُفكِّرُ أحدُهُم بعكس ما يفكر به الغالبية، إذ إن المجتمع يقوم على طيف واسع من الألوان والأشكال، ويقوم على طبقات مختلفة لا يُفهَمُ هذا المجتمع إلا بفهم هذا الطيف الواسع، وقبل ذلك جاء في الأثر: (لا ينال العلم مستحٍ أو متكبر)

لكلِّ شخصٍ في هذا الكونِ الفسيحِ قصةٌ وحدثٌ، وحكاياتٌ، وآمالٌ وخيباتٌ وانتكاساتٌ؛ تتعاقبُ عليه تعاقُبَ الليلِ والنَّهارِ، وهو يصارعُ ويخوضُ الحياةَ في لُجَجِها الهادرة، ويحاول فكَّ اللُّغزِ المُحيِّر العجيبِ بل شديد الغرائبية، وفي هذا الخِضَمِّ الهائجِ المائجِ من الواجب والمُحَتَّم أن تُدَوَّنَ -بالبناء للمفعول- هذه الحياة وتكونَ مادةً لكل قارئ، أيَّاً كان هذا الإنسان، وأيَّاً كانت تجرِبتُهُ بل وسُلَّمُه الاجتماعيُّ ومبلغُ عِلمِه وما نال من الشهادات العلمية، والخبرات العملية، ما يَهُمُّنا هو التجربة البشرية والإنسانية، التي صهرتها حرارةُ التجربةِ، ونفتْ عنها ما عَلق فيها من الشوائب التي مافتئتْ تجعلُ صاحبَها لا يحسُّ شيئاً مِمَّا يدور حوله، إلَّا من بعدِ أنْ يُقضى إليه أمرُه.

إنَّ التاريخَ كُلَّه بعرضِه وطوله ما إلا هو دفترُ مذكرات، كتبه القادةُ والجنودُ والعلماءُ والفقهاءُ والأدباءُ وعامةُ الناس من العامَّة، كلٌّ بطريقتِه، وعلى شاكلَتِه، فكوَّنوا من هذا سجلَّ التاريخِ، وديوانَ الأحداثِ! فأتَى المؤرخون والأخباريون فنقلوا لنا هذه الحوادثَ والمذكَّراتِ الشخصيةَ ووجهاتِ النظرِ وسمَّوْها التاريخَ، إنَّ هنالك مقولةً وهي صحيحةٌ دقيقة: “إنَّ نصفِ المكتبةِ هي كتب التاريخ” لأنّه يُصنع في الساعة واللحظة والآن، وأمرٌ آخر في هذه المذكَّرات- إذا أبصرتْ النور َأو الظلامَ الدامسَ، أيّ الضدَّين! -أنَّها تتقاطع مع الأدب، نعم مع الأدب في إشراقةِ المثلِ السائر وخِفَّة النادرةِ المُسلِّيَة، ورُواء الحكايةِ الشعبيةِ، وغيرِها التي توجِّه الفعل وتزِنُ الحدثَ وتطبعُ المشهدَ وتقودُ الأذهانَ، إلا من يتمردون على التأطير والأطر وقليلٌ ما هُمْ.
يقول المؤرخ الفرنسي مويزو: “إنَّ التاريخَ هو ذاكرةُ البشرية، ولكنَّها ذاكرةٌ قد تضعُفُ حيناً، وقد تصطنعُ الضَّعفَ أحيانا”. إنَّ هذا الضعفَ الذي مُنِيَتْ به فتراتٍ من تارِيخنا وهذه الضبابية في مشهدِ شخصياتٍ فاعلةٍ غُيِّبت أو غابتْ في مجاهيلِ الزمنِ إنْ هي إلَّا دليلُ غَيْبةِ هذه التدويناتِ الشخصيةِ التي لو تمَّتْ لحفِظتْ جُزْءًا من تاريخٍ ما كان أحوجنا إليه! في ظل التحولات التاريخية والتَّقَلُّبات المتعاقبة، فكم يُقصي غيابُ هذه المذكرات ويُدْمي.

يقول د.عبدُالرحمن بدوي رائدُ الوجودية: “الكتابة زفرة”. وهذه الزفرة إذا ارتبطتْ بأشجانٍ وأحزانٍ، وحياةٍ مِلؤها التعقيدات والتشابكات الفكرية، وكانت شاهدةً على عصر وزمان ومجتمعات، ولَّدَتْ فَهْمًا للماجرياتِ اليوميةِ ولم يكن هناك اعتسافٌ للحلولِ يُفضي إلى انكسارٍ لا ينجبرُ.

اعلان

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى