اليوم سأحاول أن أقول ما لم أستطع قوله هناك… في ذلك اليوم، لم يدخل ابني وحده إلى المقابلة، بل دخل معه عمري كله.
دخلت معه أول ليلة حملته فيها بين يدي، وأول صرخة فرح سمعتها منه، وأول مرة نطق فيها اسمي، وأول حقيبة مدرسية حملها، وأول دمعة خوف أخفيتها عنه، وأول ابتسامة نجاح سكنت قلبي قبل أن ترتسم على وجهه.
هو دخل يحمل ملفًا بين يديه، أما أنا فبقيت خارج الباب أحمل سنوات طويلة من الدعاء، والصبر، والرجاء، والأمل.
في تلك اللحظة أدركت حقيقة لم أفهمها طوال عمري…
الأب لا يتعب لأن أبناءه كبروا، بل يتعب عندما يرى أحلامهم تقف أمام أبواب الحياة، ولا يستطيع أن يفتحها لهم بيده. كل ما يملكه أن يرفع يديه إلى السماء، ويقول: اللهم وفقهم، اللهم لا تخيب رجاءهم.
كل خطوة كان يخطوها ابني كانت تعيدني سنوات إلى الوراء، حتى شعرت أن العمر كله مر أمام عيني في لحظات.
ثم تذكرت أبي…
وعرفت أخيرًا ماذا كان يسكن قلبه وهو يراني أكبر يومًا بعد يوم.
سبحان الله… كيف تدور الأيام.
بالأمس كنت أمشي أمام أبي، رخمه الله وهو يراقبني بعين الفخر، ويودعني بالدعاء، ويخفي عني خوفه.
واليوم يمشي ابني أمامي، وأنا أحمل له المشاعر نفسها، وأردد الدعوات نفسها، وأرجو الله أن يكتب له الخير حيث كان.
ولم تكن هذه التجربة مع ابني وحده…
لقد عشتها مع ابني الكبير، ثم مع ابني الثاني، ثم مع ابني الثالث، واليوم أعيشها مع ابني الرابع. وفي كل مرة أكتشف أن قلب الأب لا يعتاد هذه اللحظات أبدًا، وكأنها تحدث للمرة الأولى. يفرح، ويخاف، وينتظر، ويدعو، ويبتسم، بينما قلبه معلّق بالله وحده.
اليوم فقط فهمت قلب أبي…
وفهمت أن الآباء لا يشيخون بسبب السنين، بل بسبب كثرة الدعاء لأبنائهم، وكثرة التفكير في مستقبلهم، وكثرة الخوف عليهم.
رحم الله كل أبٍ رحل، وحفظ الله كل أبٍ ما زال يزرع الأمل في قلوب أبنائه، وبارك في كل ابنٍ يرد الجميل لوالديه.
اللهم احفظ أبنائي جميعًا، وأمدّ في أعمارهم على طاعتك، وأسعد قلوبهم، ووفقهم لما تحب وترضى، وافتح لهم أبواب الخير والرزق والنجاح، واجعلهم قرة عين لي في الدنيا، واجمعني بهم في جنات النعيم.
فما أجمل أن يرى الأب أبناءه يكبرون أمام عينيه، وما أعظم نعمة أن يطمئن على مستقبلهم، وما أصدق تلك اللحظة التي يهمس فيها القلب قبل اللسان:
“الحمد لله… لقد مضى العمر، لكن أجمل ما فيه أنهم أصبحوا رجالًا.”
بقلم _ عيد راشد الرفاعي
أضواء الوطن
- 13/07/2026
- 5809
شاركها
-
لبنان يدين الهجوم الحوثي الإرهابي على الرياضمنذ 3 ثواني
-
سعودي وأفتخر
ما شاء الله الله يوفقه نموذج يحتذى به لقوة الإرادة....
-
فيصل الغامدي
امتناني وتقديري....
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
-
الاعلامي رشيد البلوي
كتبت فأجدت بورك في قلمك...
أخبار المجتمع














