حكاية “الإخوة الأيتام” في حارة الكبار في حارة عتيقة ذات مساحة كبيرة وأعداد من البشر، وما تحويه تلك الحارة من خدمات وبنية تحتية ومقومات تساعد على العيش الكريم لسكانها، وهي كأي حارة من الحارات تحاول أن تسابق الزمن، فالدنيا لا ترحم فيها أحداً. فقد عاش “الأخ الكبير” وهو يلملم شتات بيته وساكنيه، يبني تارة ويعمر تارة أخرى، ويحمي بابه من أطماع الغرباء.
وعلى مقربة منه كان هناك “إخوة أيتام”، إن جاز وصفهم بذلك، ورثوا دياراً وزوايا يعيشون من خلالها، لكنهم ورثوا معها “داء الشقاوة” الذي لا يبرأ. كان هؤلاء الإخوة يعانون من “عقدة النقص الأبدي”، فكلما نظروا إلى شقيقهم الكبير وهو يرتفع بالبناء، شعروا بوخز في قلوبهم ولم يعتصرهم في أمعائهم، ولم تكن مشكلتهم في فقر ولا في جوع، بل كانت في أنهم لا يريدون للأخ الكبير أن يكون أحسن منهم، ولا يريدون بكسلهم وطيشهم إلا أن يكونوا هم الأحسن.
قرر هؤلاء الصبية بعد عجزهم أن يمارسوا “الشقاوة” نكاية بأخيهم، فبدلاً من أن يتحصنوا به، راحوا يُصادقون أبناء الجيران من الحارات الأخرى المتربصين، والذين ينتظرون مثل هذه الساعة، أولئك الذين لا يريدون خيراً لأهل الحارة ولا حتى لغيرهم. ففتحوا لهؤلاء الأعداء بيوتهم، وبددوا أموالهم على ولائم الغرباء، بل وأعطوهم مفاتيح أبوابهم ليدخلوا منها لضرب أخيهم الكبير في عقر داره.
كانوا بجهلهم يظنون وفي غبائهم أنهم سيكبرون في عين العدو ويتحدون بذلك أخيهم الكبير، فإذا بالعدو يلتهمهم واحدًا تلو الآخر حتى صاروا بلا أمان ولا جدران تأويهم.
وعندما ضاعت الأموال وتحطمت الأوهام وتهدمت المنازل تحت أقدام أبناء الجيران، عاد الصبية مطأطئي الرؤوس إلى بيت الأخ الكبير، عادوا يجرون خيباتهم يطلبون منه أن يطعمهم ويكسوهم ويحميهم ويصلح ما أفسدوه في فورة طيشهم. ولكن من خلف التريلات كما يقال، ليس لهم وجوه في مقابلة أخيهم الكبير. والأعجب من ذلك كله أن “الحقد” لم يغادر قلوبهم، فبينما يده تمتد لهم بالخير، كانت ألسنتهم تلوك سيرته وقلوبهم تتمنى لو أنها تستطيع كسر شوكته مرة أخرى.
لقد حمل “الأخ الكبير” أعباءهم وحمى بيوتهم المتهالكة من السقوط، لكنه أدرك أخيراً حقيقةً لا مفرَّ منها، أن آخر العلاج الكي وأن الشقاوة لا تعالج بالطبطبة، وأن الحقد لا يزول بالمعروف والعفو والتغاضي. لقد آن الأوان لهذا الأخ أن يكف عن دور المرمم لشقاوتهم، وأن عليه أن يمارس دور “المؤدب” لهم، ليس قسوة في قلبه بل رحمة بالحارة كلها. فالتأديب هنا ليس خياراً بل هو جراحة ضرورية لاستئصال داء الشقاوة من قلوبهم، وللإمساك بأيديهم التي لطالما عبثت بسلامة البيت الكبير، لعلهم يوماً ما يعرفون أن الأخ الكبير لم يكن يوماً خصماً، بل كان الكتف والساعد الذي لولاه لضاعت الحارة ومن فيها، وأصبحت في مهب الريح.
وأخيراً، سيظل “الأخ الكبير” صابراً، لا لضعف بل لترفع، حتى يأتي اليوم الذي يطبق فيه على مفاصل الفوضى ليعيد للبيت هيبته وللشقاوة نهايتها الحتمية، فمن لا يرتدع باللين لا بد أن تدركه ببأسٍ شديد.
بقلم / عائض الشعلاني.














