/
/
“تعذبت كثيراً يا جدي”

“تعذبت كثيراً يا جدي”

Picture of عائض الشعلاني

عائض الشعلاني

في ردهة المستشفى الكئيبة، وقف الجد العجوز خلف الزجاج الفاصل ينظر بحسرة إلى حفيدته الصغيرة الممددة على سرير المرض.

اقتربت منه في زيارته الأخيرة وبصوت خافت منهك سألت:
أين أنت يا جدي؟ لماذا لا تأتي إلي يا جدي؟

غصت العبرة في حلقه، فأجابها بصوت متهدج يملؤه الانكسار: أنا قريب يا حبيبتي، أنا خلف هذا الباب مباشرة، لكنهم لا يسمحون لي بالدخول.
لم تتمالك الطفلة دموعها وقالت بوجع أذاب قلبه: يا جدي، لقد تعذبت كثيراً.
انظر، هم يعطونني الدواء من هنا، وأشارت بيدها الصغيرة الواهنة إلى موضع “المحلول” في وريدها، ثم أضافت بكلمات كأنها جمر يحرق الروح: يا جدي، أحس أنني أحترق كأنني في نار من جهنم.
سقطت كلماتها كالصاعقة على قلب الجد، فلم يملك أمام هذه البراءة المعذبة إلا أن ينهار باكياً. اقترب من الزجاج يضم طيفها، وتختلط دموعه بلحيته البيضاء الطويلة وهو يهمس بحرقة: يا الله، يا الله، كفى يا ابنتي، كفى.
اشتد عليه الألم حتى دب الدوار في رأسه، فسارع إليه ابنه ليسنده قبل أن يسقط، وهو يقول بصوت يملؤه الأسى المكتوم: يا أبي، هون عليك، إنها بخير، أرادت فقط أن تعبر لك عن ألمها، ولم تكن تدرك أنها ستفجر فيك هذا الشجن. أرجوك يا والدي، لا تحمل همًّا، الأمور بخير.
بقي الجد واجماً يترنح بقلب ينهشه الوجد، ولا يزال صوته يهذي في أروقة المشفى: يا فتاتي، يا لجين، يا حبيبتي، أين أنتِ؟ انتهت القصة هنا.
أنا اليوم أعتقد بصدق المثل الذي يقوله آباؤنا: ما أغلى من الولد إلا ولد الولد، فهي لم تجئ إلا بثمن وعاطفة تفيض بضعف الحنان الذي لا يمتلك الأجداد أمامه إلا الاستسلام.
إن رؤية قطعة من الروح تتألم دون القدرة على رفع هذا الألم عنها هي من أقسى أنواع الاختبارات التي يمر بها الإنسان في خريف عمره، فلعل أحدنا مر بتلك التجارب فلم نتمالك أنفسنا حينها.
نسأل الله للجميع السلامة والعافية.
بقلم : عائض الشعلاني.

اعلان

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى