/
/
يكسرك غالٍ… ويجبرك قريب

يكسرك غالٍ… ويجبرك قريب

Picture of بقلم _ عيد راشد الرفاعي

بقلم _ عيد راشد الرفاعي

في رحلة الحياة نتعلم أن القرب ليس بالمسافات، وأن الغلا ليس بطول المعرفة، وأن صلة الدم وحدها لا تكفي لتصنع الوفاء. فكم من غالٍ كسر القلب، وكم من قريب أو صديق جبر الخاطر، وصدق من قال: قد يصبح الغريب غاليًا، وقد يعود الغالي غريبًا.
إن أكثر ما يؤلم الإنسان ليس جرح العدو، بل خذلان من أحبه ووثق به. فالطعنات التي تأتي من القريب تترك في النفس أثرًا لا يمحوه الزمن بسهولة، لأننا لم نتوقعها ولم نستعد لها. أما الغريب، فإذا أحسن إلينا ووقف معنا في وقت الشدة، فإنه يترك في القلب مكانة لا تنسى، حتى يصبح أقرب إلينا من كثير ممن جمعتنا بهم السنين.
الحياة لا تقاس بالأسماء ولا بالقرابة، وإنما بالمواقف. ففي ساعة الضيق تتساقط الأقنعة، ويظهر معدن الرجال، وتنكشف حقيقة العلاقات. هناك من يحضر دون أن تطلبه، ويواسيك دون أن تشتكي، ويمد يده إليك دون أن ينتظر مقابلًا، وهذا هو الغالي الحقيقي، مهما كانت بداية معرفتك به.
وفي المقابل، قد يتغير من كان يومًا أغلى الناس، فتبدله الدنيا أو تغيره المصالح، فتخبو المودة، وتذبل المحبة، حتى يصبح مجرد ذكرى. وليس كل ابتعاد كراهية، ولكن بعض القلوب إذا تغيرت لم تعد كما كانت.
ولذلك، لا تبالغ في التعلق بالبشر، واجعل ثقتك بالله أولًا، فمن تعلق بالله لم يخذله أحد، ومن جعل رضاه فوق كل شيء رزقه الله من يجبر خاطره ويؤنس وحدته.
قال الله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، فكم من موقف أحزننا كان بداية خير، وكم من شخص ظنناه خسارة فإذا برحيله راحة، وكم من غريب ساقه الله إلينا ليكون سببًا في جبر القلوب وإحياء الأمل.
فلنحافظ على أصحاب المواقف النبيلة، ولنقدر من وقف معنا في الشدة قبل الرخاء، فهؤلاء هم الثروة الحقيقية في هذه الحياة. أما من اختار أن يكون غريبًا بعد أن كان غاليًا، فندعو له بالخير، ونمضي في طريقنا بقلبٍ متسامح، دون أن نحمل في صدورنا حقدًا أو ضغينة.
ويبقى الدرس الأهم أن الإنسان لا يعرف قيمة الناس إلا عند المواقف، وأن الوفاء عمل لا كلمات، وأن القلوب الصادقة لا تتغير بتغير الأيام.
يكسرك غالٍ، ويجبرك قريب، ويصبح الغريب غاليًا، وقد يرجع الغالي غريبًا… وتبقى المواقف هي الميزان الذي لا يخطئ أبدًا.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى