/
/
ثقافة الكظم ودواء المعايشة

ثقافة الكظم ودواء المعايشة

Picture of بقلم _ نوف علي الجعيد

بقلم _ نوف علي الجعيد

تزهو العربية بألفاظ تتجاوز مداها الصوتي وبعدها الدلالي لتتمثل روح تشخص، وقوة تدفع، وطرْق يطول ويُسمع حتى يغلب على النفس صداه، ويستقر في قاعها فحواه.
فالكظم سدّ وملء، وإغلاق ومنع؛ فكظم السقاء شدّ وثاقه، وكظم الباب سدّ فجاجه، وكظمت الناقة حبست جِرّتها، وهكذا يرتصف الجذر اللغوي (الكاف، الظاء، والميم) ليصور قوة ضابطة مانعة، حابسة، قوة بلغت مبلغًا عظيمًا تصعّدت لمكنة التصدي واقتدار الضبط أمام امتلاء حانق دافق كبير متعاظم، ثم للعقل أن يتصور تدافع هاتين القوتين؛ قوة الضغط وقوة الضبط، أو كما يعيّنها الفزيائي (ميكانيكا الضغط)؛ فكلما زادت قوة الحبس والإحكام زادت قوة التمدد والانفجار؛ إذ العلاقة عكسية طردية.
ثم مع كل هذا العمق العلمي والمسلّم العقلي تأتي الآية القرآنية مُصوّرة لقوى النفس البشرية ومؤهلاتها النفسية فيقول تعالى (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس) في بعد إنساني عجيب، واقتدار مهيب، وإيثار لفظي بديع للفظ (الكظم) دون (الكبت)؛ إذ (الكبت) حبسٌ ضرير لا يأمن الانفلات، ولا يقهر الانفعال بوعي وحكمة، في حين يبرز (الكظم) مجللًا برداء الإرادة، محفّلًا بجلال التفهم ورحابة المصابرة.
فالكظم حبس قدرة لا عجز، واستعلاء نفس لا ضعف، وهو خلق قرآني ونهجٌ نبوي، ومحور أصيل تعايشي، وسدٌ منيع لمزالق الندم؛ فهذا معن بن زائدة يحكم الإغلاق، ويوثق الرباط في وجه ذلك الأعرابي ويلجمه بنوال، وذاك سيد الحلم عند العرب حتى جرى به المثل؛ فقالوا: (أحلم من أحنف)، وتلك جارية (زين العابدين) تسقط الإبريق على وجهه فتشجّه، فتُذكّر بالآية، فتكون عتاقها، وهذا سيخ شواء قيس بن عاصم يردي ابنه قتيلًا خطأً فيكظم غيظه ويعتق غلامه ويعفو عنه.
فالكظم الكظم هو الوقاء والوجاء وهو الحجبة والستار، وهو البرء والدواء.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى