يُعرف البخيل من خلال امتناعه القيام ببذل ما ينبغي بذله، أكان شرعاًً كدفع الزكاة والنفقة على أفراد العائلة، أو من ناتج نخوة ومروءة فيعطي سائله ما يطلبه لضرورة مُلحة، استجابة لقوله تعالى(وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) والبخيل غالباً ما يحرم نفسه من الأجر والمثوبة المترتبة على الإنفاق في سبيل الله عدا العقوبة التي يستحقها يوم القيامة مصداقاً لقوله تعالى( وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وبما أن الشح أشد حالات البخل، فلقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (واتَّقوا الشُّحَّ، فإنَّ الشُّحَّ أهلَك من كان قَبلَكم) فيما اعتبره أبو الحسن الماوَرْدي بأنه أصلٌ لكُلِّ ذمٍ، وسببٌ لكُلِّ لؤمٍ ويمنَعُ من أداءِ الحُقوقِ، ويبعَثُ على القطيعةِ والعُقوقِ، واصفاً الإمام الشَّوكاني اليهود بأنهم أبخل خلق الله على وجه الأرض، فيما أشارت دراسات نفسية إلى أن البخل ليس مُجرد كسب أموال، بقدر ما هو اضطراب سلوكي، ناتج عن صدمات عنيفة واجهها الشخص في طفولته، أو انحرم من أجواء عاطفية فوجد في تكديس الأموال التي تحصل عليها، مستقبلا، سبيلاً لتعويض ما فاته في سنوات عمرة المبكرة، ولأن البخيل عادة ما يشعر بالقلق والتوتر، فهذا يدفعه لتجنب مخالطة الناس في أفراحهم واتراحهم، ولقد أظهرت دراسة في أحد مؤتمرات المنتدى الاقتصادي بسويسرا بأن البخل يُعزز الأنانية في ذاتية البخيل بينما يختفي في المجتمعات التي تتمتع باقتصاد قوي ومتناغم، أما على صعيد الدراما فقد قام عشاقها بأدوار تمثيلية على خشبة مسارحهم العربية لإبراز واقع من ابتلوا بهذه الصفة الذميمة بصور مُثير للضحك والسخرية والاستهزاء، ومن يقرأ التاريخ يجد ما لا حصر له في هذا المنحى، كالحطيئة، وهو شاعر مُخضرم اشتهر بالتسلط، والجشع ودناءة النفس، وخالد بن صفوان وهو خطيب مُفوه ومن افصح شعراء العرب في عهده، وأبو الأسود الدؤلي، وهو شاعر ومؤسس لعلم النحو، وهيتي غرين وهي أمريكية الجنسية والتي قيل عنها بأنها أبخل الناس على مر التاريخ بحسب ما ورد في سيرتها الذاتية التي نُشرت في أحد مواقع التواصل الاجتماعي بالرغم مما تملكه من ثروة مالية تُقدر بمائة مليون دولار، ومع ذلك تحرص دوماً على شراء أسهم وعقارات بمبالغ زهيدة، ثم تبيعها بأسعار باهظة لزيادة دخلها، علاوة على الزام أبنائها بارتداء ملابس مستعملة وتناول أطعمة رخيصة، وقيامها بربط مفاتيح خزينتها بسلسلة حديدية ولفها حول خصرها، مع وضع مُسدس في يدها أثناء نومها، تحسباً لأي سارق قد يصلها، وقد فارقت الحياة وعمرها ثمانون عاماً، مؤكدين ضمن هذا السياق بأن البخل لا يقتصر على المال لوحده وإنما يشمل كتمان العلم والموعظة الحسنه كما في قوله تعالى( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ) وفي حالة عدم الثناء الحسن لمن يستحقه وهو يتحدث بنفسه.عن إنجازاته، فلا يقول له وفقك الله على الأقل، أو يترحم على الموتى حينما يأتي ذكراهم الطيب وبخاصة الأقارب، وكذلك عندما يرد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم القائل (البخيل من ذُكرت عنده فلم يُصل علي ) أما بالنسبة لأهم الأسباب التي ترسخ مفاهيم البخل في ذاتية البخيل فتأتي في الصدارة الوراثة، ومن ثم التربية التي نشأ وترعرع عليها، فسوء الظن بالله الذي تكفل برزق كافة العباد، فالمجتمع الذي يعيش فيه وما يشهده من فساد عارم، فخشية الفقر والافلاس والخوف من المستقبل، قال أكثم بن صيفي وهو أحد حكماء العرب: تحلوا بالجود يلبسكم المحبة ولا تعتقدوا البخل فتتعجلوا الفقر، بينما قال أحد الشعراء( يُفني البخيل بجمع المال مدته*وللحوادث والأيام ما يدعُ * كدودة الـقـز ما تبنيه يهدمها*وغيرها بالذي تبنيه ينتفع) وفي حاضرنا اليوم الكثير من هذه النوعية فأحد الزملاء وبينما هو قائم بتحميل حقائبه في سيارته استعداداً للسفر لمقر عمله بمنطقة أخرى قال له جاره في الشقة التي يسكنها أثناء الصيف بأحد المحافظات( ليه أنتم مستعجلون يا جارنا، تعشو معنا ومن ثم سافروا) فرد عليه هذا الزميل اللبق لقد مكثنا عشرة أيام(كثّر الله خيركم) هكذا يستخدم بعض المبتلون بهذا الداء العضال مع أقاربهم أو معارفهم وقتما يتهيؤون للسفر، لأجل رفع العتب، أما الموقف الثاني فقد قام شخص بخطبة فتاة وتعهد لوالدها بأنه لن ينقصها الحق، وكل ما تطلبه، وبعد زواجه منها وهي معلمة وطيبة القلب الزمها بدفع المصروفات المنزلية شهرياً بحجة توفير مبالغ كبيرة من راتبه لشراء قطعة أرض ولأنه بخيل وغير صادق فقد طلبت منه الطلاق قبل إتمام السنة، أما الموقف الثالث فقد حتم على رجل ضمن مدعوين في مناسبة خاصة قيامه بتقديم وجبة غداء للضيوف مجاراة لمن سبقوه وللتظاهر أمامهم بأنه كريم ولكن بعدما غادروا تلك المحافظة شعروا بمغص شديد تبين لهم فيما بعد بأن الطعام الذي قُدمه لهم هذا الرجل وهو بخيل من الدرجة الأول كان بائتاً وقد أحضره من مطعم بثمن رخيص، لذلك حري بأُولُو الالباب بعدم التعامل مع هذه النوعية من البشر أو القيام بتزويجهم ودمتم سالمين.
.
بقلم _ عبد الفتاح الريس
أضواء الوطن
- 28/06/2026
- 6284
شاركها
-
عبدالله الحضبي
انت دائماً متميز يا بو حمود بيض الله وجهك على الكلمة الوطنية...
-
سعودي وأفتخر
ما شاء الله الله يوفقه نموذج يحتذى به لقوة الإرادة....
-
فيصل الغامدي
امتناني وتقديري....
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
أخبار المجتمع














