يُعد التحول الرقمي أحد أهم ركائز رؤية المملكة 2030، حيث هدفت الجهات المعنية من خلاله إلى تبسيط الإجراءات، تقليل الوقت والجهد، وتحقيق أعلى مستويات الكفاءة والشفافية في تقديم الخدمات للمواطنين والمقيمين. وبالفعل شهدت السنوات الأخيرة تحولاً واسعاً في مختلف القطاعات، وتم إطلاق عشرات المنصات الإلكترونية التي تغطي مجالات الحياة المختلفة. إلا أن الواقع العملي كشف عن تحديات جوهرية جعلت الكثير من المستفيدين يشعرون بأنهم أصبحوا «بين المطرقة والسندان»؛ فلا النظام الإلكتروني يفي بالغرض، ولا العودة للطرق التقليدية متاحة أو ميسرة.
وتتجلى هذه المعاناة بوضوح في قطاعات الخدمات الحيوية، وعلى رأسها قطاع الموارد البشرية والعمل والعمال. فالإجراءات بدأت تمر بدائرة مفرغة تثير الإحباط: يُطلب من المستفيد الدخول إلى المنصة لتقديم طلب أو إنهاء معاملة، وعند محاولته يجد أن خطوات التنفيذ معقدة وتتطلب إدخال بيانات متكررة أو رفع مستندات لا تُقبل لأسباب غير واضحة، وهنا تتضح الصورة المحيرة: المستفيد ممنوع من إنهاء معاملته إلكترونياً بسبب خلل أو نقص في النظام، وممنوع من إنهائها وجهاً لوجه بسبب تعليمات تُغلق الباب أمامه.
وفي القطاع الطبي، تتكرر نفس الصعوبات؛ فحجز المواعيد عبر التطبيقات غالباً ما يكون مقصوراً على فترات بعيدة، أو لفتره قصيره جدا أو لا تتوفر مواعيد اصلا وهذا بسبب خلل في دراسة الاحتياجات الطبيه مع عدد المستفيدين؛ وعند التوجه إلى المستشفى أو المركز الصحي لا يُسمح للمريض بالحصول على الخدمه الطبيه إلا بموعد مسجل، أو عن طريق الطواري في الحالات التي تتطلب سرعة في الإجراء والعلاج، وكأن الهدف أصبح تطبيق النظام بحد ذاته بدلاً من تقديم الخدمة الصحية التي تتناسب مع ظروف المريض.
ومن أبرز المشكلات التي تزيد من حدة هذه المعاناة، صعوبة تصميم المنصات ذاتها، فالكثير منها يفتقر إلى الوضوح والبساطة، ولا يراعي قدرات مختلف الفئات، خاصة كبار السن ومن لم يكتسبوا مهارات التعامل مع التقنية الحديثة، كما أن انقطاع الخدمة، وتعطل الروابط، وعدم توفر دعم فني سريع وفعال، كلها أمور تجعل التجربة محبطة، وتجعل المستفيد يتساءل: هل الهدف من التحول الرقمي التسهيل أم التعقيد؟
وفي ظل هذا الواقع، تبرز أسئلة جوهرية تستدعي الإجابة والمتابعة: ما هي الجهة الرقابية المسؤولة عن مراجعة أداء هذه الخدمات الإلكترونية وتقويمها بشكل دوري؟ ومن يضمن أن ما يُعلن عنه من سهولة وسرعة يطابق ما يحدث فعلياً على أرض الواقع؟ والأهم من ذلك: هل يتم أخذ رضاء المستفيد بعين الاعتبار كمعيار أساسي في تقييم نجاح أي منصة إلكترونية؟ فقياس الأداء لا يقتصر على عدد الخدمات المحولة، بل ينبغي أن يُقاس بمدى وصولها للمستخدم، ومدى رضاه عنها، ومدى قدرتها على حل مشكلاته بدلاً من خلق مشكلات جديدة.
لا شك أن التحول الرقمي ضرورة حتمية، ولا يمكن العودة إلى الوراء، ولكن النجاح الحقيقي لهذا التوجه يتحقق فقط عندما يضع مصلحة المستفيد في المقام الأول. فإذا تعذر إنجاز المعاملة إلكترونياً، يجب توفير بديل فوري وسهل، وإذا كان هناك خلل في النظام، فيجب معالجته بسرعة وشفافية. وعلى الجهات الرقابية أن تقوم بدورها بجدية، فتتابع، وتقيم، وتصحح المسار، حتى لا يتحول المشروع الطموح إلى عبء يثقل كاهل المواطن والمقيم، وحتى لا يظل المستفيد أسيراً بين خيارين كلاهما مراً.














