لم يعد التقاعد في مفهومنا المعاصر مجرد مرحلة انتقالية للراحة بل تحول إلى ما يشبه “الموت البطيء” حيث يجد المتقاعد نفسه وقد قذفت به أقدار الإدارة البيروقراطية خارج دائرة الاهتمام بعد أن كان شرياناً نابضاً في مؤسسات الدولة أعزها الله ليصطدم بواقعٍ لا يرى فيه إلا أنه “خارج الخدمة”.
إن الفجوة بين ما قدمه المتقاعد من تضحيات وبين ما يتلقاه من جفاء تثير تساؤلات مشروعة عن معنى الوفاء ،، فكيف يُنتظر منه أن يمارس حياته بكرامة بينما تُسلب منه أبسط حقوقه ويبرز هذا في التمييز الصارخ حين يُحرم المتقاعد من تقديم راتبه في شهر ذي الحجة أسوةً بالموظفين ليُمنع قسراً من مشاركة أسرته فرحة العيد وكأنه قد فُصل نهائياً من نسيج المجتمع ليصبح سجيناً بين أربعة جدران تارةً على “السرير الأبيض” في المستشفيات التي تذله بمواعيد تمتد لأشهر عدة وتارةً أخرى على السرير في منزله محاصراً بأكوام من الأدوية وعبوات أبو فاس ،، والفازلين ،، و الفكس ،، كحلولٍ يائسة لآلام لا تجد من يلتفت إليها وكأن المجتمع يخبره يومياً بأنه لم يعد ذا قيمة حتى لنفسه.
إن الأزمة الحقيقية هي أزمة تمكين وكرامة مهدرة فالمتقاعد يواجه واقعاً يزداد قسوةً في مرافق الخدمات حيث باتت “بطاقة الأولوية” مجرد ورقة معدومة الفائدة الانتظار لمواعيد المستشفيات لأشهر طويلة الوقوف في طوابير طويلة يُتجاهل فيها كبر سنه ومرضه بحجة وجود حالات أخرى هذه إهانة مباشرة وغير مباشرة لمن أفنى عمره في خدمة هذا الوطن وحتى في أماكن الانتظار العامة تُترك المقاعد لمن سبق دون أدنى صرامة تضمن حق كبار السن وحاملي “بطاقة الأولوية” في الجلوس، وكأن المكان لا يحترم وقاره و شيبته.
وإذا انتقلنا للجانب الاقتصادي فإن المتقاعد يواجه غلاءً ينهش ما تبقى من معاشه بينما لا توجد خصومات حقيقية تلامس احتياجاته الفعلية للمواد الغذائية ،، والفنادق ،، والمستشفيات الخاصة ،، والصيدليات التابعة لها ،، وتذاكر الطيران ،، وتأجير السيارات ،، وهي خدمات يُفترض أن تتوفر له بخصومات فعلية تتراوح بين 50% إلى 80% تقديراً لمسيرته وتفانيه وإخلاصه .
نتساءل أيضاً عن دور بنك التأمينات الاجتماعية أين هو من برامج الدعم المالي المباشر وغير المسترد لماذا لا يُخصص للمتقاعد دعم سنوي دوري يساعده في ترميم منزله وتحسين وضعه المادي بعيداً عن الشروط التعجيزية التي تذله وتجعله يبدو كمتسولٍ في دارٍ هو من وضع لبناتها الأولى أين هي المبادرات التي تعفيه من فوائد القروض التي ترهق كاهله وتجعله حبيساً لها جلَّ ما تبقى من حياته .
إننا أمام حالة من “الجفاء المؤسسي” تقتل في المتقاعد رغبته في البقاء حيث يُعامل كفائضٍ عن الحاجة لا كقيمة مضافة وحيث تُقابل شكواه الصحية بجملة “هذا طبيعي لكبر سنك” بدلاً من توفير رعاية تليق بمن بنى الوطن ،، إن المتقاعد اليوم يرفع صوته لا طلباً للشفقة والرأفة به بل مطالبةً بكرامةٍ يحميها نظامٌ لا يرى في التقاعد نهاية الحياة بل مرحلة استحقاق للرعاية والتقدير وبإجراءات تنهي عصر التهميش والانتظار السلبي للمرض أو الموت .
إن حق المتقاعد ليس إحساناً بل هو دينٌ في رقبة المجتمع والمسؤولين لمن خدم الدين والمليك والوطن بصدق وأمانة وهذا مآل الجميع فليس أحدٌ منا يضمن حاله غداً إن بلغ من السن عتياً .
بقلم _ عائض الشعلاني
أضواء الوطن
- 22/06/2026
- 12606
شاركها
-
ترامب يقر بتداعيات الحرب مع إيران على حزبه انتخابيًامنذ دقيقة واحدة
-
سعودي وأفتخر
ما شاء الله الله يوفقه نموذج يحتذى به لقوة الإرادة....
-
فيصل الغامدي
امتناني وتقديري....
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
-
الاعلامي رشيد البلوي
كتبت فأجدت بورك في قلمك...
أخبار المجتمع















تعليق واحد
فعلا بطاقة التقاعد عندما اقدمها للفنادق المستشفيات لايعترفون بها وبعض المواقع خصم المستشفي اعلي وافضل من البطاقة التقاعدية .
وجودها مثل عدمها .
والطيران لايعترف فيها .
وكل ماذكر بالتقرير .
شكرا لك مع حق الشكر لكل من يسعي للنهوض بهذا الوطن الغالي .
بان يكرم في حياتة .اما خلاف ذلك فقد ورد
اكرام الميت دفنة .