ليست المشكلة دائمًا في وجود الحفرة، ولا في تعطل مصباح طريق، ولا في ملاحظة تتكرر في مرفق عام؛ فالأخطاء جزء من أي عمل بشري، والخلل وارد في كل منظومة. المشكلة الحقيقية تبدأ حين يرى الجميع ذلك الخلل، ويتحدث عنه الجميع في مجالسهم الخاصة، ثم يختفي الحديث عنه حين يصل إلى المساحة العامة.
نشتكي بصوت منخفض، ونتذمر في الدوائر الضيقة، ونُحمّل المسؤولية للآخرين، لكننا نتراجع عندما يحين وقت السؤال المشروع: من يتحدث باسم المصلحة العامة؟ ومن يطرح القضية بعيدًا عن الحسابات الشخصية؟
بعض الأصوات اختارت السلامة على الرسالة، والمجاملة على المكاشفة، والعلاقة على المبدأ. تخشى أن يُفهم النقد على أنه خصومة، وأن يُفسر طرح الملاحظات على أنه استهداف، فتفضل الصمت، أو الاكتفاء بالثناء، حتى وإن كان الثناء لا يغيّر واقعًا ولا يرفع ضررًا.
الإعلام لم يُخلق ليكون منصة للتصفيق فقط، ولم يكن يومًا مرآة تعكس ما يرضي الجميع. رسالته أن يرى ما لا يريد البعض رؤيته، وأن يطرح الأسئلة التي يتجنبها الآخرون، وأن ينقل صوت الناس بأمانة، لا أن ينتظر الإذن للحديث عن معاناتهم.
ليس المطلوب صناعة الأزمات، ولا تضخيم الأخطاء، ولا البحث عن الإثارة؛ فذلك يضر كما يضر الصمت. لكن بين التهويل والتجاهل مساحة واسعة اسمها “المسؤولية”. مسؤولية أن نقول: هنا خلل يحتاج إلى معالجة، وهنا ملاحظة تستحق الانتباه، وهنا حق عام لا ينبغي تجاوزه.
أما حين نصمت خوفًا من انزعاج مسؤول، أو حفاظًا على مكسب شخصي، أو رغبة في البقاء داخل دائرة الرضا، فإننا لا نحمي المصلحة العامة كما نظن، بل نقدم مصلحة خاصة ترتدي ثوب المصلحة العامة. نؤجل الحديث، ونجمّل الصورة، بينما يبقى الضرر قائمًا ينتظر من يدفع ثمنه.
في النهاية، لا يخسر الحقيقة إلا الناس. أولئك الذين كان يفترض أن تكون مصالحهم هي البوصلة، وأن تكون أصواتنا امتدادًا لهم، لا عبئًا عليهم.
ثم ماذا…!؟
لا أحد يطلب منك أن تكون خصمًا لأحد، لكن المجتمع يستحق منك ألا تكون شاهدًا صامتًا. فالكلمة المسؤولة ليست خروجًا عن الصف، بل وقوفٌ في صف الناس، والرسالة التي لا تدافع عن المصلحة العامة تفقد سبب وجودها، مهما بدا صاحبها قريبًا من الجميع.














