/
/
الدكتور ضياء العوضي وشهادة العضوية الذهبية بين الخبرة المهنية والاعتماد الرسمي

الدكتور ضياء العوضي وشهادة العضوية الذهبية بين الخبرة المهنية والاعتماد الرسمي

Picture of الكاتب : عزيز معزي بن عدله

الكاتب : عزيز معزي بن عدله

 

رحم الله الدكتور ضياء الدين شلبي محمد العوضي، وغفر له، وجعل ما قدمه من جهد وبحث واجتهاد في ميزان حسناته. فالكتابة عن الراحلين لا ينبغي أن تكون محاكمة قاسية، ولا مديحًا مطلقًا، بل قراءة منصفة تحترم الموت، وتحترم الحقيقة، وتحترم حق المجتمع في الفهم.

أثار اسم الدكتور ضياء العوضي جدلًا واسعًا في السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد ما نُشر، بحسب ما أعلنته الجهات المختصة، عن إسقاط عضويته من نقابة الأطباء، وشطبه من سجلاتها، وما ترتب على ذلك من إلغاء ترخيص مزاولة المهنة، وإغلاق منشأته الطبية. وهذه واقعة لا يمكن تجاهلها عند الحديث عن سيرته؛ لأن الطب مهنة منظمة لا تقوم على الشهرة، أو المحبة، أو كثرة المتابعين، بل تقوم على الترخيص، والالتزام المهني، والدليل العلمي، وحماية المريض قبل أي اعتبار آخر.

لكن في المقابل، لا يجوز اختزال سيرة إنسان كاملة في قرار واحد، ولا إلغاء تجربته كلها بسبب خلاف مهني أو تنظيمي. فقد ارتبط اسمه بالممارسة الطبية لسنوات، وحضر اسمه لدى شريحة من المتابعين والمرضى بوصفه صاحب تجربة عملية، وفتحت قصته نقاشًا واسعًا بين من رأى فيه طبيبًا مجتهدًا، ومن رأى في بعض أطروحاته مخالفة للضوابط المهنية والعلمية، وفق ما ورد في القرارات والتقارير المنشورة.

ومن هنا تأتي الإشارة إلى ما عُرف وتداولته مواقع التواصل الاجتماعي باسم شهادة العضوية الذهبية، وهي شهادة متداولة ومنسوبة إلى مجلس علماء ومبدعي مصر والعرب، وتظهر فيها عبارة عضو هيئة العلماء، وتحمل اسم الدكتور ضياء الدين شلبي محمد العوضي. ولا يظهر من صيغتها أنها شهادة طبية جامعية، ولا ترخيص لمزاولة مهنة الطب، ولا اعتماد نقابي أو صحي رسمي، بل تبدو أقرب إلى شهادة عضوية أو تقدير معنوي من الجهة المنسوبة إليها.

اعلان

وهنا يبرز السؤال المهم: هل العلم يكتسب بالشهادة وحدها أم بالخبرة أيضًا؟

الجواب العادل أن العلم لا يولد من الورقة وحدها، ولا من الخبرة وحدها. فالشهادة تفتح الباب، والخبرة تصقل المعرفة، والدليل العلمي يضبط المسار، والأخلاق المهنية تحمي الإنسان من الغرور والخطأ. فالطبيب لا يصبح طبيبًا نافعًا بمجرد حمل شهادة، كما أنه لا يصبح فوق المساءلة بمجرد طول التجربة، أو كثرة المرضى، أو اتساع شهرته بين الناس.

الخبرة بلا علم منضبط قد تتحول إلى جرأة خطرة، والعلم بلا خبرة قد يبقى ناقصًا في فهم الواقع وتفاصيل الحالات. أما الطب الحقيقي، فهو الذي يجمع بين التأهيل الأكاديمي، والخبرة العملية، والاعتماد النظامي، والالتزام بأخلاقيات المهنة، واحترام التخصص، وعدم تقديم الرأي الشخصي على أنه حقيقة قطعية.

لقد كشفت قصة الدكتور ضياء العوضي، رحمه الله، عن مسألة أوسع من شخصه، وهي علاقتنا نحن بالمشاهير والخبراء وأصحاب الطرح المختلف. فكثير من الناس يميلون إلى تصديق من يتحدث بثقة، خصوصًا إذا كان كلامه يمنحهم الأمل، أو يخفف خوفهم، أو يقدم تفسيرًا بسيطًا لأمر معقد. لكن الصحة ليست مجالًا للعاطفة وحدها، ولا يجوز أن يتحول إعجاب الناس بشخص إلى بديل عن المؤسسات الطبية والضوابط العلمية.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي أن نقول إن شهادة العضوية الذهبية المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، والمنسوبة إلى مجلس علماء ومبدعي مصر والعرب، ليست جوهر القصة وحدها. فالقيمة الحقيقية لأي إنسان لا تُقاس بورقة، أو لقب، أو صورة متداولة، وإنما تُقاس بمجموع أثره، وسعيه، واجتهاده، وبمدى التزامه بالحقيقة والمسؤولية.

إن الشهادة الذهبية الحقيقية لأي طبيب ليست شهادة عضوية فحسب، بل شهادة أمانة أمام الله، وشهادة صدق أمام المرضى، وشهادة التزام أمام المهنة. فالطبيب يحمل في كلمته مسؤولية، وفي وصفته أمانة، وفي ظهوره الإعلامي أثرًا قد يتجاوز حدود العيادة إلى آلاف البيوت.

رحم الله الدكتور ضياء العوضي، وأسكنه فسيح جناته. ونسأل الله أن يجعل من قصته بابًا للعبرة لا للخصومة، وأن نتعلم منها أن الخبرة قيمة عظيمة، لكنها لا تغني عن العلم الموثق، وأن التكريم أو العضوية لا يحلان محل الاعتماد الرسمي، وأن الإنسان مهما بلغ من معرفة وتجربة يبقى محتاجًا إلى التواضع أمام الحقيقة وأمام العلم.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى