/
/
التقديم على الجامعات قبل التخرج… واستعجال الفرح قبل اكتمال الإنجاز

التقديم على الجامعات قبل التخرج… واستعجال الفرح قبل اكتمال الإنجاز

Picture of بقلم _ عيد راشد الرفاعي

بقلم _ عيد راشد الرفاعي

في المملكة العربية السعودية، تتكرر كل عام مشاهد تحمل الكثير من التناقض؛ طلاب في نهاية المرحلة الثانوية يعيشون ضغط الاختبارات النهائية، وفي الوقت ذاته يُطلب منهم التقديم على الجامعات، بل ويحتفل بعضهم بالتخرج قبل أن تُعلن النتائج. هذا الواقع يطرح تساؤلات جوهرية: كيف يحتفل الطالب بإنجاز لم يكتمل بعد؟ وكيف يُطلب منه أن يحدد مستقبله وهو لا يزال في خضم الاختبارات، ولا يعرف معدله النهائي أو تقديره؟
إن التقديم المبكر للجامعات قد يكون مبرره من جهة الجهات التعليمية هو التنظيم واستيعاب الأعداد الكبيرة من خريجي الثانوية العامة، الذين يُقدّر عددهم سنويًا بمئات الآلاف، ولكن هذا التنظيم يأتي على حساب راحة الطالب واستقراره النفسي. فالطالب يجد نفسه مطالبًا باتخاذ قرارات مصيرية—كاختيار التخصص والجامعة—في وقت لم تكتمل فيه صورته الأكاديمية، مما قد يؤدي إلى اختيارات غير دقيقة أو مبنية على توقعات لا على نتائج فعلية.
وفي جانب آخر، أصبحت حفلات التخرج تُقام قبل إعلان النتائج، وكأن التخرج مجرد حضور وانتهاء من أيام الدراسة، وليس نجاحًا حقيقيًا واجتيازًا لمرحلة مهمة. هذا الاستعجال في الفرح قد يُفقد الإنجاز قيمته، ويضع الطالب في حالة من التوتر الداخلي، بين فرحة ظاهرية وقلق حقيقي من المجهول.
أما فيما يتعلق بمعادلة القبول في الجامعات، والتي تعتمد غالبًا على 40% للاختبار التحصيلي و30% للقدرات و30% لمعدل الثانوية، فهي أيضًا محل تساؤل. كيف يُعقل أن يُختصر جهد ثلاث سنوات من الدراسة—بل 12 سنة تعليمية—في 30% فقط؟ أليس من الأجدر أن تُعطى الشهادة الثانوية وزنًا أكبر، كونها تمثل الجهد التراكمي الحقيقي للطالب؟ إن إعادة النظر في هذه النسب، لتكون مثلًا 60% للثانوية و20% للقدرات و20% للتحصيلي، قد تحقق عدالة أكبر وتعكس المستوى الحقيقي للطالب بصورة أدق.
ولا يمكن إغفال الضغط النفسي الكبير الذي يعيشه الطالب في هذه المرحلة، حيث تتزاحم عليه الاختبارات النهائية، واختبارات القدرات والتحصيلي، والتقديم على الجامعات، والتفكير في المستقبل، وكل ذلك في فترة زمنية قصيرة. هذا الضغط لا يقتصر على الطالب وحده، بل يمتد إلى أسرته التي تعيش معه القلق والتوتر، مما يجعل هذه المرحلة من أكثر مراحل الحياة الدراسية صعوبة وتعقيدًا.
إن الحل لا يكمن في إلغاء التنظيم، بل في إعادة ترتيبه بطريقة أكثر إنصافًا وإنسانية. من المهم أن يتم تأجيل التقديم للجامعات إلى ما بعد إعلان النتائج النهائية، وأن يُمنح الطالب فترة راحة ولو لأسبوعين بعد التخرج، ليستعيد توازنه ويفكر بهدوء في مستقبله. كما أن إعادة النظر في توزيع نسب القبول، وتقليل تداخل المواعيد بين الاختبارات والتقديم، سيسهم في تخفيف الضغط وتحقيق بيئة تعليمية أكثر استقرارًا.
في النهاية، التعليم ليس سباقًا نحو الوقت، بل هو رحلة بناء وتكوين. وإذا تحوّل إلى ضغط متراكم، فقدنا جزءًا كبيرًا من قيمته. والسؤال الذي يجب أن نطرحه بصدق: هل نريد طالبًا ينجح بسرعة، أم طالبًا ينجح بوعي وثبات؟

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى