لقد جُبل المجتمع على قيم التراحم والتواصل، إلا أننا نشهد في الآونة الأخيرة تحولاً مقلقاً في بعض العادات الاجتماعية، حيث طغت لغة الوجاهة والمكانة على جوهر المناسبات، سواء كانت أفراحاً أو مواساة، مما أدى إلى انحراف هذه العادات عن مسارها النبيل لتصبح عبئاً يثقل كاهل الأسر ويؤصل للماديات.
إن ما نراه اليوم من تهافت الأعداد الكبيرة لمرافقة العروس تحت ذريعة العادات القديمة يحتاج إلى وقفة تأمل. قديماً كان هذا الحضور المحفول والمكفول ضرورة لحماية المرأة وإشهار قوتها في بيئة تتسم بالترحال والنزاعات القبلية، أما اليوم في ظل دولة القانون والأمان فقد انتفى السبب الجوهري لهذه العادة. فإن استمرارها بأعداد هائلة يرهق كاهل أهل العروس مادياً ومعنوياً، والأولى أن يقتصر الحضور على المقربين جداً أو الخامس من القبيلة أو العائلة إحياءً للسنة وتيسيراً على الناس.
كما أرى أن زيارة المريض تحولت من سُنة نبوية تخفف عنه الآلام إلى حمل مادي ثقيل يُقاس بمكانة المريض الاجتماعية. فإن إلزام الناس بدفع مبالغ مالية بحسب وجاهة الشخص جعل البعض ينكفئ على نفسه ويعتزل المجتمعات خشية العجز المالي، وهذا أخطر ما يواجه المجتمع اليوم، إذ تتقطع أواصر حتى الأقارب بسبب المظاهر الكاذبة.
أما في أوساط الشباب فقد تحولت “العانية” أو “الرفد” من وسيلة لمساعدة المتزوج حديثاً إلى ميدان للمنافسة غير المحمودة. إن الاتفاق المسبق على مبالغ ضخمة للظهور بمظهر “الوجاهة” أمام القبيلة زرع بذور الشقاق والفتنة بين الأقران وأوجد نوعاً من الطبقية الاجتماعية التي لا تخدم استقرار الأسر الناشئة، بل تبدأ حياتهم بالديون والمقارنات الهدامة.
كذلك يبرز أيضاً تساؤل مستحق حول موجة التكريمات العشوائية التي قد يقودها البعض لمصالح شخصية ضيقة. فإن التكريم الحقيقي يجب أن يوجه لمن قدم إسهامات وطنية ملموسة، أما المبالغة في التكريمات فهي تندرج تحت دائرة “الهياط” والإسراف وتفقد التكريم الحقيقي قيمته المعنوية.
إن جمال الموائد والمناسبات لا يُقاس ببريق المظاهر، بل باتساع الآفاق. وحين تقتصر اللقاءات على دوائر مغلقة تعيد رسم المشهد ذاته، فتفقد الفضيلة روحها الجامعة لتصبح أشبه برسم الحدود بدلاً من بناء الجسور. فالكرم الحقيقي هو الذي يفتح الأبواب لكل الأطياف ليبقى التواصل عفوياً يجمع ولا يفرق، ويثري النسيج الاجتماعي بالتنوع الذي يمنحه الحيوية والدفء.
إننا حقيقةً أمام منعطف يحتم على مشايخ القبائل والوجهاء والمثقفين ورجال المنابر والإعلام القيام بدورهم في توعية المجتمع. وإن الحل لا يكمن في النصح باللسان فحسب، بل في الإحجام الفعلي عن المشاركة في مثل هذه التجمعات والمظاهر السلبية لقطع دابر هذه الظواهر قبل أن يتحول مجتمعنا إلى مجتمع مادي بحت تضيع فيه القيم الإنسانية والمبادئ السامية خلف بريق المال وحب المظاهر.
بقلم عائض الشعلاني.














