إن ما يشهده الفضاء الإعلامي اليوم من اقتحام “الأدعياء” وتدثّرهم برداء المهنية دون تأهيل، يستوجب تدخلاً رقابياً حازماً من الهيئة العامة لتنظيم الإعلام؛ لإيقاف حالة “تمييع المهنة” وصونها من ممارسات التكسب والتسول الرقمي، وإعادة الاعتبار للمسميات المهنية التي أصبحت تُمنح لمن لا يملك أدواتها، حفاظاً على هيبة الإعلام السعودي كرسالة وطنية سامية.”
لم يعد خافياً على المتابع للمشهد الاتصالي في المملكة حجم الاختراق المهني الذي طال جسد الإعلام، حيث تحولت “السلطة الرابعة” في الآونة الأخيرة إلى ساحة مشاعة لكل من ملك قاعدة متابعين أو أثار ضجيجاً رقمياً عابراً. إننا اليوم أمام أزمة “هوية مهنية” حادة، تتجلى في تجرؤ بعض ناشطي منصات التواصل الاجتماعي على انتحال صفة “إعلامي” والتعامل مع هذا اللقب كغطاء للممارسات النفعية والمصالح الشخصية. إن الإعلام في جوهره مسؤولية أخلاقية ورسالة وطنية، وليس مجرد مهنة للتسول المبطن أو التكسب غير اللائق عبر الابتزاز الإعلاني. إن هذا الواقع يكشف عن خلل بنيوي أدى إلى “تدخل سافر” في أدبيات المهنة، مدعوماً بتعزيز غير مسؤول من قبل بعض الجهات التي ساهمت في منح هؤلاء “الدخلاء” شرعية لا يستحقونها، وتصدير المحتوى السطحي على حساب الرصانة الإعلامية.
و يمتد هذا الخلل ليشمل ظاهرة “سنابات المناطق والمحافظات” التي باتت تمارس دوراً إعلامياً هجيناً يفتقر للمهنية؛ حيث تحول الكثير منها من منصات لنقل أخبار المجتمع المحلي إلى أدوات للضغط والمساومة الإعلانية تحت ذريعة “التغطية الإعلامية”. إن غياب الرقابة المهنية على هذه الحسابات الميدانية جعلها تمارس دوراً مشوهاً يسيء لسمعة المناطق ويُقصي الإعلامي المهني المؤهل، مما خلق فوضى في المرجعية الخبرية وتدنيّاً في مستوى الطرح الأخلاقي. إن استمرار هذا الانفلات المهني لا يهدد فقط ذائقة المجتمع، بل يضرب في مقتل قواعد المصداقية والأمانة التي بُني عليها الإعلام السعودي عبر عقود؛ فالمسألة لم تعد مجرد “صناعة محتوى” ترفيهي، بل أصبحت استلاباً لمهنة عريقة لها مواصفات وأدوات وقيم لا يمكن القفز عليها تحت أي مبرر تقني أو تجاري.
الخاتمة:
إن استعادة هيبة الإعلام السعودي تتطلب اليوم وقفة تشريعية حازمة من الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، تبدأ بتقنين المسميات المهنية ومنع استخدام لقب “إعلامي” إلا لمن استوفى الشروط الأكاديمية والميدانية المعتمدة، وصولاً إلى محاسبة كل من يسيء لهذه الرسالة السامية عبر ممارسات التكسب المبتذل، مع ضرورة إخضاع حسابات المناطق والمحافظات لمعايير مهنية صارمة تفصل بين الإعلان والإعلام. إن حماية الإعلام هي حماية لوعي المجتمع، وإنهاء حقبة “الدخلاء” هو الخطوة الأولى نحو إعلام وطني رصين يواكب طموحات الرؤية ويحترم عقل المتلقي.














