يخطئ الكثيرون حين يظنون أن الصبر مجرد قدرة على التحمل، فيخلطون بين حكمة الرجل الصبور وجلد الحمار الصابر. إن الفرق بينهما لا يُقاس بمقدار الأثقال التي تُحمل على الظهور، بل بالمسافة الفاصلة بين الإرادة والاضطرار، وبين الشعور الحي والتبلد القاتل. ففي لحظات العجز قد يتساوى الرجل مع الدابة في وحدة الحال، فالرجل الذي تحكمه ظروفه القاسية وتغلُّ طموحه قيود الالتزامات والمسؤوليات يجد نفسه في مضمار الحياة يسير بصبرٍ يشبه صبر الحمار. كلاهما يساق بقدرٍ لم يختاره لنفسه، وكلاهما يسير في طريقٍ رسمته له الحاجة. هنا يصبح الحبل الذي يربط الدابة هو ذاته الالتزام الذي يقيد الرجل، وكلاهما يؤدي دوره تحت سوط الواقع المرير. فالمأساة الحقيقية تظهر عندما يملك الرجل الاستطاعة والإمكانيات المادية والقدرة، ومع ذلك يختار طريقة الحمار في العيش. فهذا الصنف من البشر لا يصبر لحفظ ودٍّ أو بناء مستقبل، بل يصبر بخلاً على نفسه بمتعة الحياة أو خوفاً من بعثرة أمانه الزائف. هنا يسقط الفرق تماماً، فمن اختار أن يعيش دور المطية وهو يملك ثمن الحرية قد حكم على نفسه بالدونية طواعية، وأصبح هو والحمار في صفة الخنوع سواء.
إن أخطر مراحل هذا التحول هي موت الشعور، حين يعتاد الرجل على الألم حتى لا يعود يشعر به، وحين يألف الهوان حتى لم يعد يستفزه شيء. عندما يموت هذا الشعور، يسهل الهوان ويتحول الصبر من قوة إلى تخدير ذاتي. في هذه الحالة يصبح الرجل سجين محاولات قديمة أو فاشلة، أو سجين تعلق بأوهام الوفاء والتضحية، بينما الحقيقة هي أنه يهرب من كلفة التغيير وشجاعة البدء من جديد لحياة أجمل.
إن فلسفة الحياة تقول إن الموت طعمه واحد، سواء كنت رجلاً يناضل من أجل طموحه أو كائناً ارتضى بحياة لا تليق بآدميته وقيمته. لكن شتان بين من يموت وهو يحاول تحطيم أسوار ظروفه ليعيش حياة تليق بشحمه ولحمه، وبين من يموت وهو يحمل أحماله بصمتٍ مطبق، وقد فقد البوصلة والأنفة.
في النهاية، إن الرجل الحقيقي هو من يدرك أن الصبر وسيلة للوصول إلى هدف، وليس غاية ينتهي عندها كل شيء، وأن الصبر الجميل هو الذي تتبعه عزة وشعور بالمتعة، لا أن يورثه ذلة ومهونة. فإذا كان الظرف قد قدّر عليك حِملاً ثقيلاً، فاجعل قلبك حياً يتطلع للمستقبل المشرق، حتى ولو كنت متأخراً، فلا تدري قد يطول بك العمر والزمان. لا تسمح لنفسك أن تتمحور حول الحمل والهم الثقيل حتى تنسى أنك إنسان. فالموت في سبيل الحرية والحياة الكريمة أشرف ألف مرة من العيش بصبر كصبر الحمار وصمت الذين ماتت فيهم روح الأنفة والاشتياق إلى ما هو أعلى وأفضل. المطية لا تُلام وأنت الملام.
بقلم: عائض الشعلاني.
عائض الشعلاني
عبدالهادي الرويثي
- 19/04/2026
- 11899
شاركها
-
عبدالله الحضبي
انت دائماً متميز يا بو حمود بيض الله وجهك على الكلمة الوطنية...
-
سعودي وأفتخر
ما شاء الله الله يوفقه نموذج يحتذى به لقوة الإرادة....
-
فيصل الغامدي
امتناني وتقديري....
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
أخبار المجتمع
-
وفاة والدة اللواء طلال المقاطيمنذ أسبوع واحد
-
“السعودية” مجدٌ على الأرض وطموحٌ في السماءمنذ أسبوعين














