في الأدب كما في السياسة، لا تأتي بعض الحقائق إلا في صيغة صادمة. فحين كتب تولستوي عن عبثية الحروب، لم يكن يتأمل معارك عصره فحسب، بل كان يسبق زمنه ليتحدث عن حروبنا الحالية التي تُعلن فيها كل الأطراف النصر، بينما تتآكل من الداخل.
فالحروب اليوم لم تعد تُحسم بإسقاط عاصمة أو توقيع استسلام. لقد تغيّر تعريف النصر ذاته. إذ لم يعد من بقي واقفاً هو المنتصر، إنما الذي استطاع الصمود أطول وإرباك خصمه أكثر ومنع خصمه من تحقيق أهدافه. وهنا تبدأ المفارقة، فكلما طال أمد الحرب، تضاءل معنى النصر واتّسعت رقعة الخسارة. وما جرى في المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائه من جهة، و إيران من جهة أخرى، لم تكن المعركة مجرد تبادل ضربات، بل اختباراً لأنموذجين مختلفين في إدارة الصراع: أولهما أنموذج القوة الساحقة والتفوق التكنولوجي، والثاني أنموذج الصمود غير المتكافئ وحرب الاستنزاف.
وكما يعلم الجميع فإن واشنطن وتل أبيب تمتلكان كل عناصر الحسم، قدرة عسكرية هائلة، تفوق جوي ومنظومات استخباراتية متقدمة وقدرة على الوصول إلى عمق الخصم. مع أن هذه المواجهة كشفت عن قيد استراتيجي بالغ الأهمية فالقوة العظمى ليست حرة في استخدام كل قوتها.
حيث كان الرئيس الأمريكي ترامب يظهر طيلة أيام الحرب بخطب نارية، يَعِد ويهدد ويُعلن الانتصار. غير أن لغة الخطاب شيء، وحدود القرار شيء آخر. فالدخول في حرب برية شاملة، أو التحكّم في مضيق استراتيجي كهرمز، لم يكن مجرد خيار عسكري، بل مقامرة قد تشعل الاقتصاد العالمي وتستنزف النفوذ الأمريكي ذاته. وهنا يتجلّى أحد أهم تحولات النظام الدولي. فلم تعد القوة تعني القدرة على الفعل… بل القدرة على ضبط النفس.
أما إيران، فقد لعبت لعبتها بطريقة مختلفة، فهي تدرك أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية، لكنها ترى أنها قادرة على منع خصمها من تحقيق نصر نظيف. ولا شك أن الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة لم تكن بهدف الحسم، بل بهدف إرسال رسالة مفادها: نحن لم نسقط رغم الخسائر الكبيرة وبالتالي لم تنتصروا.
لكن الصورة أكثر تعقيداً وخطورة. أن ما حدث لم يكن مجرد مواجهة ثلاثية، بل عرض حيّ لإعادة تشكيل ميزان القوى العالمي. فبينما كانت النيران تشتعل في المنطقة، كانت روسيا والصين تراقبان بصمت استراتيجي، لأنها تنظر إلى أن هذه الحروب فرصة ذهبية لاكتشاف تكتيكات الخصم، واختبار أنظمة الدفاع والهجوم، ورصد حدود القرار السياسي تحت الضغط. وبعبارة أكثر وضوحاً، نستطيع القول بأن ما خسرته واشنطن في الميدان، قد تكون موسكو وبكين قد ربحتاه في مراكز التحليل.
والأخطر من ذلك أن هذه الحرب كشفت تحوّلاً في طبيعة الصراعات، من حروب محدودة إلى نزاعات قابلة للتمدد الفوضوي. فحين تمتد الضربات إلى أطراف غير مباشرة، فإن الرسالة لم تعد عسكرية فقط، بل سياسية عندنا تصبح الجغرافيا ليست آمنة، والتحالفات غير ضامنة.
وهنا تبرز فرضية يطرحها بعض المحللين: هل كانت بعض الأطراف تسعى -بشكل مباشر أو غير مباشر- إلى توسيع رقعة الصراع؟ سواءً بإنشاب دول أخرى
في الحرب، أو لإجبار العالم على التدخل، عبر الضغط على شرايين الاقتصاد العالمي: لأنه كلما اقترب الخطر من الجميع، زادت احتمالات فرص التسوية.
لكن وسط كل هذه الحسابات، تبقى الخسارة الأشد قسوة هي الخسارة السياسية الداخلية. فالحروب التي لا تُحسم تترك أثراً تراكمياً على صورة القيادة. ومع تكرار إعلان الانتصار دون نتائج حاسمة، تبدأ فجوة الثقة في الاتساع. وهنا قد يجد السيد ترامب نفسه أمام معركة من نوع آخر، معركة الرأي العام، حيث لا تُقاس النتائج بالصواريخ، بل بالمصداقية.
والخلاصة أننا نقف أمام مشهد غير تقليدي فقوة عظمى لم تخسر، لكنها لم تنتصر! ودولة مستهدفة لم تربح، لكنهاترى بأنها لم تُهزم!! وقوى دولية لم تُقاتل لكنها استفادت بشكل كبير!!!
إنه عالم تتآكل فيه المفاهيم القديمة، ويُعاد فيه تعريف النصر والهزيمة.
وربما لو عاد تولستوي اليوم، لأعاد صياغة عبارته: بأن في الحروب الحديثة، لا أحد ينتصر، لكن بعضهم يتأخر في اكتشاف هزيمته.
بقلم _ عبدالناصر بن علي الكرت
أضواء الوطن
- 17/04/2026
- 10289
شاركها
-
خدمة المجتمع وظيفة جامعية رئيسية !!منذ 4 ساعات
-
سعودي وأفتخر
ما شاء الله الله يوفقه نموذج يحتذى به لقوة الإرادة....
-
فيصل الغامدي
امتناني وتقديري....
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
-
الاعلامي رشيد البلوي
كتبت فأجدت بورك في قلمك...
أخبار المجتمع














