لم يكن مشهد التضامن العربي والدولي العارم مع المملكة العربية السعودية، في وجه المحاولات العابثة والمستمرة لاستهداف أمنها وسيادتها، وليد لحظةٍ عابرة أو نتاج تعاطف بروتوكولي تمليه مجاملات الدبلوماسية المعتادة.
بل إن أي مراقب حصيف يرقبُ هذا التدفق المتدفق لمواقف التأييد من عواصم القرار شرقاً وغرباً، يدركُ بيقينِ القراءةِ التاريخية العميقة أن هذا الاصطفاف الكوني خلف الرياض هو الحصادُ الطبيعي والمستحق لغرس سعودي ممتد بذرت حكماء القيادة أصوله، وسقته مبادرات الإنسان النبيل، ورسّخته قوة الكيان وحضوره الطاغي.
فالأمم لا تجامل في مصالحها ولا تصطف خلف الضعفاء، والتضامن مع السعودية اليوم هو اعتراف صريح بما خطّته المملكة بمداد الفعل لا القول.
وما خلدته في ذاكرة الشعوب من حضور إنساني، وعربي، ودولي، سياسي واقتصادي، بات يملأ السمع والبصر بوهجه وتأثيره.
وحين تلتفتُ العواصم لتعلن تضامنها المطلق مع الرياض، فهي تتذكر جيداً وتعي أن هذه البلاد لم تكن يوماً مستهلكةً للأمن أو متفرجة على جراح الآخرين.
بل كانت على الدوام واحةً لإغاثة المكلومين وشريان حياة يمتد عبر القارات في كوارث الزلازل والفيضانات والأزمات، ليكون هذا التضامن العالمي العارم هو الانعكاس الطبيعي لمرآة الوفاء الكوني.
إذ إن العالم الذي وجد في السعودية ملاذاً وسنداً في أوقات العُسرة، لا يمكن أن يقف اليوم متفرجاً أمام أي محاولة للمساس بأمنها واستقرارها.
ويتوازى هذا العطاء الإنساني الفريد مع تجليات عبقريةِ الدبلوماسية السعودية وقدرتها التاريخية على إدارة الأزمات ببرود الكبارِ وحكمةِ العارفين المقتدرين.
حيث لم تكن الرياض يوماً من دعاةِ الفوضى أو التصعيد الغوغائي، بل ظلّت تؤمنُ بلغة القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، ولكنها حين يتطلبُ الأمرُ حزماً، يرى العالمُ كيف تتحولُ هذه الدبلوماسيةُ الناعمةُ إلى درعٍ صلب لا يلين.
مستندة إلى رؤية ثاقبة للقيادة السياسية استطاعت أن تبني شبكةَ تحالفاتٍ دوليةٍ متينة، جعلت من المساس بأمن المملكة مساساً مباشراً باستقرار المنظومة العالمية بأسرها
وهي هيبة دبلوماسية لا تُشترى بالمال بل تُصنعُ في أروقة الصبرِ الاستراتيجي وبناء الثقة المتبادلة بين الدول.
ولا ينفصل هذا الثقل السياسي والدبلوماسي عن لغة المصالح الدولية الحيوية، فعواصم الاقتصاد العالمي تُدرك تمام الإدراك أن السعودية ليست مجرد دولة رائدة في إنتاج الطاقة، بل هي صمامُ أمان الاقتصاد والتحولات الكبرى.
وركيزة أساسية لاستقرار سلاسل الإمداد وازدهار حركة التجارة العالمية، مما يجعل التضامن معها دفاعاً أصيلاً عن مصالح العالم الحيوية واستقراره المعيشي.
ليتكامل هذا كله مع العُمق العربي والوفاءُ القومي المشرف الذي جسدته الرياض كقلب نابض للعالم العربي، وحصن أخير ضد مشاريع التمدد والهيمنة الطائفية والإقليمية.
دون أن تتأخر يوماً عن نصرةِ أي قضيةٍ عربية، وعلى رأسها قضيةُ العرب الأولى في فلسطين، وهو حضور قومي مخلص يتجاوز الشعارات الرنانة إلى الدعم الفعلي والسياسي والمالي المستمر.
مما يفسر وقوف الشعوب والقيادات العربية اليوم وقفةَ رجلٍ واحد مع المملكة صوناً لرمز الكرامة والسيادة الوطنية التي لا تقبل المساومة.
ولعلي المُلخص في هذه القراءة أن المحاولات البائسة التي تستهدف هذه الأرض الطاهرة لم تزدها إلا شموخاً، ولم تزد العالم إلا التفافاً حولها، مبرهنة على أن مجد السعودية لم يُبنى على رمال متحركة، بل على صخرةٍ صلبةٍ من الإنجازاتِ والمواقف التاريخية الراسخة التي جعلت أمنها خطاً أحمر في حسابات الأمم، لكونها ببساطة شديدة ركيزةَ هذا العالم وعنوان استقراره الدائم.














