يكثر الحديث هذه الأيام عبر منصات التواصل الاجتماعي عن “القبيلة” و”القرابة” والصلة والتواصل، وتتصاعد أصوات تحذر من الروابط الأسرية مدعيةً أن الأخ لم يعد سنداً، وأن العم والخال عبء ثقيل، وأن أبناء العمومة مجرد التزامات لا معنى لها. ويردد الكثيرون هذه المقولات كالببغاوات، فمنهم الجاهل ومنهم السفيه ومنهم من مرّ بتجربة شخصية فاشلة فقرر تعميم سوادها على حياة الآخرين.
والعجيب أن البعض ينقل هذه الأفكار لمجرد أن “مثقفاً” بربطة عنق أو “ممثلاً” أو “مشهوراً” تحدث عنها، فيقلدونه ظناً منهم أن التنكر للجذور هو دليل تمدن وتطور أو انعكاس لمستوى ثقافي ومالي معين. لقد ذهب هؤلاء إلى أبعد من ذلك فوصفوا المجتمع القبلي بأنه مجرد “قيود” وعادات مكلفة تُحمل الفرد ما لا يحتمل، بل وتطاولوا على رموز القبيلة وكبار العائلات، معتبرين وجود “شيخ القبيلة” أو “المعرّف” أمراً تجاوزه الزمن، داعين إلى حياة “فردانية” مطلقة لا مرجع لها ولا كبير.
والمفارقة المضحكة المبكية أن أغلب من يروج لهذا الخطاب هم أبناء قبائل وعائلات لها ثقلها ومكانتها، والأدهى من ذلك أن هؤلاء “المتحررين” أو يدعون التحرر سرعان ما تتبخر شعاراتهم عند أول أزمة أو مناسبة، فتجدهم أول من يبحث عن “الجماعة” وأول من يطرق باب “الشيخ” وأول من يحتمي “بظلال القبيلة”. هذا الاضطراب في الرؤية يعكس جهلاً مركباً ويثبت أن هؤلاء مجرد “صدى” لما يسمعون دون وعي أو إدراك لسنن الحياة.
الحقيقة التي يتجاهلها هؤلاء هي أن الإنسان بدون “جماعته” يبقى وحيداً مهما علا شأنه، والقبيلة بدون “رمز” ومرجع يرجعون إليه هي قبيلة منقوصة. فالمال والمنصب والجاه لنفسك أنت، وقد يصنعون لك واجهة لكنها لا تحميك في الملمات.
عندما يغيب عنك التوفيق أو تنام على “السرير الأبيض” أو تداهمك حوادث الأزمان والأقدار، نسأل الله السلامة، لن تجد حولك “المثقف المنظر” ولا “المشهور الملمع”، بل ستجد أخاك وعمك وابن عمك وخالك وجماعتك الذين يشدون عضدك ويكونون لك سنداً وذخراً. الإنسان العاقل هو من تتكشف له الحقائق قبل وقوع الفؤوس في الرؤوس، فيدرك أن المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، فبدون الأعمام والأخوال يفتقد الإنسان امتداده، وبدون القبيلة والجماعة قد يراه الآخرون “وحيداً” لا ظهر له ولا سند، مما يجعله مطمعاً في صراعات الحياة.
أما من ينظر خلاف ذلك، فغالباً ما يكون مدفوعاً بنقص شخصي أو تاريخ يخلو من المواقف المشرفة مع أهله وربعه وقبيلته، فيحارب المجتمع القبلي لأنه يؤلمه أن يرى تلاحم الآخرين وقوة اجتماعهم. وستبقى “العزوة” هي الحصن الحصين، وسيبقى “الكبير” هو صمام الأمان، ولن تزيدنا الأيام إلا قناعة بأن المرء بأهله، كما أن الطير بجناحيه.
بقلم الكاتب: عائض الشعلاني.














