.
في عهد عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ توسعت الدولة الإسلامية بشكل كبير جدا (الفتوحات) , وقد تحول فيها العرب إلى أقلية ، ناهيك عن كونها في ذلك الوقت كانت حديثة عهد بالحضارة , وبدؤوا يتعاملون مع قبائل وشعوب شتى , لها حضارات تمتد إلى الآف السنين (الفرس والروم والأقباط) . لقد أدرك الخليفة الراشد بأن هذا الواقع الجديد يتطلب اتباع سياسة جديدة , يحافظ فيها على المنجز , وتقوية الجبهة الداخلية وتحديث الدولة . كانت هذه المرحلة تتطلب (التهدئة) والتقاط الأنفاس , وتثبيت أركان الدولة الإسلامية (البناء) , كانت تتطلب إدارة سياسة ذات بعد مدني , يطغى فيها الجانب السياسي على الجانب (العسكري) , وتقليص الدور العسكري , أو بلغة العصر تتمثل في عودة الجيش إلى ثكناته (الأمصار) , حيث بدأ عمر بن الخطاب في بناء المدن للجنود في البلاد المفتوحة (الكوفة , البصرة , الفسطاط) , والتي تحولت تدريجيا من قلاع عسكرية , إلى حواضر عالمية ذات طابع مدني , وتم إنشاء الدواوين , القضاء , التاريخ الهجري , الاهتمام بالزراعة , نشر الإسلام في البلاد التي تم فتحها .. إلخ , من أجل الحفاظ على الهوية الإسلامية (السيادة والاستقلال) . هذا بدوره كان يتطلب الميل إلى الخيار السياسي , لأنه أحيانا يتحقق بالسياسة ما تعجز عنه القوة , وهذا بدوره يتطلب قيادات ذات مواصفات جديدة , ومن أجل ذلك وضع الخليفة الراشد العديد من (المعايير) التي يتم من خلالها اختيار القادة في المناصب الإدارية والقيادية (الولاة , القضاة .. إلخ) , وحتى في العطاء (الرواتب) , ومن أهم هذه المعايير (السابقين الأولين) في الإسلام مثل : أهل بدر , المهاجرين , الأنصار , المشاهد , الفقه , العلم (القائد يعرف من رجاله) . كما نلاحظ فإن كل هذه المعايير لا تنطبق على سيف الله المسلول خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ , حتى أن العطاء الذي كان يحصل عليه كان أقل من الذي كان يتقاضاه (السابقين الأولين) . لا بد أن نوضح بأن القيادة لا يمكن استنساخها حرفيا , عندما يتولى أي زعيم القيادة ويدلي بأول تصريح له ويقول : نحن على خطى القائد الراحل , فاعلم أن الأمور سوف تميل إلى الجمود يعني لا جديد (التقوقع) , حيث أن دور كل قائد هو أن يبني فوق ما بناه سلفه لا أن يتوقف عنده . القائد مثل البصمة في اليد , والنفس في الطعام , واللمسة في يد الفنان لا يتكرر أبدا . أو كما قيل لكل شيخ طريقته في القيادة واختيار الرجال (الرؤية) , والتي تختلف حسب ظروف الزمان والمكان , وبالتالي فأي قائد غير ملزم بالتمسك في السياسة أو الطاقم السياسي أو الإداري الذي كان يحكم الدولة قبل مجيئه , وهذا معمول به طوال التاريخ في الشرق والغرب وما زال حتى الآن (التغيير) . الدول عند التأسيس تحتاج إلى قائد عسكري يحمل خلفية سياسية , بينما نجد أن الدول عند الاستقرار تحتاج إلى قائد سياسي لديه خلفية عسكرية . لأن هناك اختلاف كبير في العقلية التي يفكر فيها كل منهما . ليس كل قائد عسكري ناجح يمكن أن يكون قائد سياسي (نابليون , ديغول) , وليس كل قائد سياسي يمكن أن يكون قائد عسكري (ستالين , النتن ياهو) , ولكن لكل قاعدة شواذ يؤكد القاعدة ولا ينفيها . يعني حتى نبسط الأمور أكثر , القائد العسكري عندما يتخذ قرار الحرب والسلم , فهو ينظر إلى المشهد من زاوية واحدة فقط (الميدان) , يعني تحقيق النصر فقط (القوة) , دون الأخذ بعين الاعتبار أن الهدف من الحرب هو جلب العدو إلى طاولة المفاوضات (القيادة السياسية) , وهذا الهدف للأسف يجهله الكثير من القادة العسكريين عبر التاريخ (الإسكندر المقدوني , أبو مسلم الخرساني , هولاكو , نابليون بونابرت , رومل , ماك آرثر .. إلخ) , وبالتالي نجد أن الجميع في النهاية فشلوا , سواء كان ذلك في ساحات المعارك (الهزيمة) , أو حتى عند بناء الدولة (التفكك) . في المقابل نجد أن القائد السياسي قبل أن يتخذ القرار يرى ويقرأ المشهد من جميع الزوايا (المخاطر , البدائل , التوازنات المحلية والخارجية , البيئة السياسية , الخبرة , الرأي العام , الاقتصاد .. إلخ) . فالطريقة التي تدار فيها الدولة تختلف عن الطريقة التي تدار فيها الحروب ، وبالتالي كانت هذه المرحلة لا تتناسب مع العقلية العسكرية التي كان يتسم بها خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ . وكما هو الحال مع الدول في مرحلة الاستقرار , تتطلب قيادات مدنية (المرونة) , وليست عسكرية (الأوامر) , والدليل على ذلك أن الدول التي يحكمها العسكر , غالبا ما تفشل في تحقيق أهدافها . الخلاصة أن عزل خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ , كان قرار تطلبته المرحلة والمتمثل في الانتقال من الحكم العسكري (التأسيس) إلى الحكم المدني (الإستقرار) .














