بديهياً أن تكون الثقافة العامة مختلفة تماماً بين سائر المجتمعات على امتداد الأرض، ويعود ذلك لتنوع ثوابتهم الدينية والقيمية، فضلاً عن عاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية، وما قد تعلموه من علوم وفنون من خلال مؤسساتهم التربوية والتعليمية وغيرها من التجارب الحياتية التي خاضوها، هكذا يرى المهتمون بأمر الثقافة، والتي عرفها ابن خلدون بأنها الأخذ من كل علم بطرف، فيما لعبت كلاً من الأسرة والمدرسة وأماكن العبادات والنوادي الأدبية والرياضية وجماعة الرفاق والوسائل الإعلامية والمراكز الثقافية والترفيهية دوراً كبيراً في تكوينها، معتبراً المفكر العربي مالك بن نبي” الذوق الجمالي من أهم عناصرها الديناميكية التي تُحرك الهمم إلى ما هو أبعد من مُجرد مصلحة شخصية “ومع أن المختصون في الشأن الثقافي قد بذلوا جهوداً مُضنية لإيجاد تعريف دقيق وشامل للثقافة غير أنهم لم يُوفقوا في ذلك، على اعتبار الثقافة في نظر البعض منهم أشبه ما تكون بكائن حي مُتحرك تتأثر وتؤثر بمن حولها، وفي القرآن الكريم ما يشير للثقافة بمعنى التمكن من الشيء والاستيلاء عليه كما في قوله تعالى (إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء) وقوله أيضاً(ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا) ولها خصائص كثيرة ومنها: التكامل والتراكم والشمولية والاستمرارية والانتشار وقابليتها للتطوير والتغيير والانتقال من جيل لآخر، عدا كونها تُؤدي إلى تماسك أفراد المجتمع الواحد، وقاعدة ثابت تُحدد سلوكياتهم وتصرفاتهم مع بعضهم البعض ومع غيرهم من المنظمات والهيئات الأخرى، كما وأنها تساهم في حفظ كرامتهم وتمنحهم فرصة الدفاع عن أنفسهم وقتما تحل بهم المحن والشدائد وهي بهذا التجلي تشاطر الثقافة الإسلامية في أكثر خصائصها، غير أن هذه الأخيرة تتسم بأنها ربانية المصدر وثابته وواقعية وواضحة ومتوازنة ومثالية ولا تحتمل التغيير ولا الظن ولا التخمين بل ومتواترة على مر العصور حتى قيام الساعة ولها دور فاعل في نشر تعاليم الإسلام وتصحيح المفاهيم الخاطئة لدى المنتسبين إليه علاوة على التكيف مع معطيات الحياة ومواكبتها في الزمان والمكان، بالإضافة لتنوعها، فمنها ما يكون فنياً وتراثياً ومنها ما يكون مسرحياً وأدبياً (شعر ونثر ومقالات وقصص وروايات) فيما تُشكل بهذه النمطية لدى الغربيين الحضارة الإنسانية واعتبارها بمثابة ثقافة مُكبرّة وأن المعتقد الديني يُمثل لديهم أهم العناصر المكونة لها، وأنه كلما ازداد أفراد المجتمع من النيل منها كلما دفعهم لبناء صروح حضارية عالية المستوى، وهذا ما أقرته الجمعية العمومية في الأمم المتحدة عام 1986م حينما دعت لعقد لقاء عالمي لتنمية الثقافة لما لها من أهمية قصوى في حياة الشعوب، وللثقافة جانبين معرفي وعلمي غير أنهما يختلفان في طريقتهما، فبينما تتم الثقافة المعرفية عن طريق الأخبار والتلقي والاستنباط وتبني الأفكار ووجهات النظر، فإن الثقافة العلمية تتم عن طريق الملاحظة والاستنتاج والتجارب وبينما الثقافة المعرفية تقتصر على مجتمع بذاته، فإن الثقافة العلمية تتجاوز ذلك للعالمية وهو ما يستنتج منه بأن الثقافة أعم وأشمل بل وتتضمن علم وعمل وفكر وسلوك في آن واحد، وأن الإنسان المثقف يستمر بثقافته لتجميل الأشياء وتحسينها بينما العلم يتوقف عند حد المعرفة وتنتهي مهامه عند إيجاد الأشياء وفهمها، وبقدر ما تعطي الثقافة بعداً أساسياً من أبعاد التربية ووعائها الأكبر بقدر ما تقوم هذه التربية بدور تربية وتعليم أبناء المجتمع شتى العلوم والفنون التي تُـرسخ فيهم القيم السامية وتُعدهم للحياة العملية وتُساهم في تصحيح ما قد يواجهوه من مفاهيم مغلوطة يقول د.عبد الرزاق قسوم، وهو باحث جزائري في هذا المجال” بأن اقبال المستشرقين على دراسة الثقافة العربية ليس من قبيل الإعجاب بها وإنما لأجل التمهيد، وازالة الحواجز النفسية لدى المنتمين لها في البلاد العربية للتمكن من غزو بلادهم” أما المستشار الألماني هيلموت شميت فيشير في كتابه توكيد الذات الأوروبية “بأن الثقافة الإسلامية والعربية قد ساهمت بالفعل في إيجاد روافد ثقافية بالغة الأهمية للقارة الأوروبية، مُعتبراً دين الله الإسلام أحد الشروط الأساسية لتأكيد هذه الذاتية والحفاظ عليها، وأنه لمن المحتمل جداً أن يحلّ السلام والاستقرار في ربوع هذه القارة بناءً على هذا الشرط ” فالثقافة إذاً تختلف من مجتمع لآخر، فثقافة المسلم ليست كثقافة المسيحي واليهودي والهندوسي، ولها مُسميات متنوعة كالثقافة الأمنية والعسكرية والمرورية والثقافة التربوية والرياضية والاجتماعية وهكذا، ولكون الانفتاح الثقافي على العالم بات ضرورياً في ظل العولمة، فإن هذا ما يُحتم على أمة الإسلام الحفاظ على ثقافتها الإسلامية وهويتها الوطنية وألاّ ينخدع أبناؤها وبناتها بالثقافة الغربية الزائفة وتقليدهم في كل شيء حتى لو دخلوا جُحر ضبٍ دخلوا معهم، كما هو ملاحظ اليوم على البعض منهم، وهم يجارونهم بسلوكيات المُخلة بالآداب والذوق العام، كلبس البناطيل المُخرّمة والميوعة والتعري أحياناً، ولتنمية الثقافة في بلداننا العربية وعلى كافة الأصعدة ينبغي على جهات الاختصاص بذل المزيد من الجهود الحثيثة لأجل تحقيق هذه الغاية النبيلة، قال أحد الحكماء حينما سُئل كيف نُميز الإنسان المثقف عن غيره، أجاب: اسألوه كم كتاباً قرأ ؟ وماذا قرأ ؟
بقلم _ عبد الفتاح أحمد الريس
أضواء الوطن
- 26/03/2026
- 38354
شاركها
-
خدمة المجتمع وظيفة جامعية رئيسية !!منذ 3 ساعات
-
سعودي وأفتخر
ما شاء الله الله يوفقه نموذج يحتذى به لقوة الإرادة....
-
فيصل الغامدي
امتناني وتقديري....
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
-
الاعلامي رشيد البلوي
كتبت فأجدت بورك في قلمك...
أخبار المجتمع














