/
/
تهكير العقول

تهكير العقول

Picture of بقلم _ عبدالله محمد مسلم العثيمين

بقلم _ عبدالله محمد مسلم العثيمين

على مرّ السنين نرى ظاهرةً تثير العجب؛ إذ نجد بين الناس أفرادًا بلغوا درجات عالية من الذكاء والنجاح العلمي، فمنهم الطبيب البارع، والمهندس المبدع، وعالم الحاسوب المتقدم، ومع ذلك قد يقع بعضهم في ممارسات أو معتقدات لا يقبلها العقل السليم.

فترى من يعبد بقرةً يرجو منها الخير، ويتوسل إليها بطلب المغفرة والسعادة وتيسير الأمور، مع أنه هو الذي يطعمها ويحرسها ويعالجها. وترى آخرين يقدسون بشرًا مثلهم، فيبالغون في تعظيمهم حتى يبلغ الأمر ببعضهم أن يخضع لهم خضوعًا مهينًا لا يليق بكرامة الإنسان.

وهنا يقف العقل متسائلًا:
كيف يجتمع الذكاء البشري مع مثل هذه التناقضات؟

عند التأمل يمكن فهم هذا الأمر من زاويةٍ تشبه ما يسميه علماء الحاسوب بالتهكير؛ أي اختراق النظام والدخول إليه والتحكم فيه دون علم صاحبه.

ومن هذا المعنى يمكن أن نصف بعض هذه الحالات بأنها نوع من تهكير العقول؛ أي أن هناك من استطاع الوصول إلى مفاتيح التأثير في عقول الناس، فوجههم إلى أفكار وسلوكيات قد تخالف العقل أو الفطرة.

اعلان

غير أن تهكير العقول لا يحدث عادة بالقوة
المباشرة، بل بوسائل أكثر خفاءً وتأثيرًا، مثل:
• التكرار المستمر للأفكار حتى تصبح مألوفة.
• استثارة العاطفة والخوف والرجاء لإضعاف التفكير النقدي.
• صناعة الرموز البشرية التي تُعطى مكانة فوق النقد.
• الضغط الاجتماعي الذي يجعل مخالفة الجماعة أمرًا صعبًا.

وعندما تتجمع هذه الوسائل يصبح الإنسان قابلًا لتبني أفكار قد لا يقبلها لو نظر إليها بعقلٍ متجرد.

والتاريخ مليء بالشواهد على ذلك؛ فقد تبعت أممٌ كاملة معتقداتٍ أوممارساتٍ غريبة لأنها ورثتها عن الآباء أو اعتادت عليها عبر الزمن. حتى جاء الأنبياء عليهم السلام يدعون الناس إلى تحرير عقولهم من تلك القيود والرجوع إلى عبادة الله وحده.

قال الله تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾.

فالمشكلة ليست في نقص الذكاء دائمًا، بل في تعطيل ميزان التفكير الصحيح. فالإنسان قد يكون عبقريًا في تخصصه، لكنه إذا لم يمتلك منهجًا سليمًا في النظر إلى الأفكار والمعتقدات فقد يقع في أخطاء جسيمة.

ولهذا فإن أعظم ما يحفظ العقل من الاختراق هو أن يمتلك الإنسان:
• علمًا صحيحًا يستند إلى الوحي.
• تفكيرًا نقديًا متزنًا لا يقبل كل ما يُعرض عليه.
• استقلالًا في النظر بعيدًا عن التقليد الأعمى.

إن احتلال الأرض قد يسلب الإنسان جزءًا من حريته، لكن احتلال العقول أخطر بكثير؛ لأنه يجعل الإنسان يدافع عن قيوده بنفسه، ويظن أنه يسير في الطريق الصحيح وهو في الحقيقة يسير في غيره.

ولهذا كانت رسالة الأنبياء في جوهرها تحرير العقول والقلوب من كل عبودية لغير الله، وردّ الإنسان إلى فطرته التي خلقه الله عليها، فكرّمه بالعقل، وجعله مسؤولًا عن استعماله في معرفة الحق واتباعه.
ومن اللافت للنظر أن المتأمل في الشعائر الإسلامية في أقدس بقاع الأرض، في المسجد الحرام و المسجد النبوي، يجد صورة مختلفة تمامًا؛ فكل الشعائر التي تُقام هناك تدور حول مبدأ واحد واضح: العبادة لله وحده.

فالناس يطوفون بالكعبة وهم يرددون: لبيك اللهم لبيك، ويصلّون لله وحده، ويدعون الله مباشرة دون وسائط بشرية. فلا يُطلب من حجرٍ مغفرة، ولا يُرجى من إنسانٍ رزق، ولا تُنسب القدرة المطلقة إلا لله سبحانه.

في المقابل، إذا نظر الإنسان إلى بعض الممارسات التي تُشاهد في أماكن أخرى من العالم، فإنه قد يرى ممارسات تثير الدهشة؛ من تعظيمٍ مبالغ فيه للبشر، أو التوسل بقبور، أو تقديم طقوسٍ غريبة لتماثيل أو رموز لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا.

وهنا يتجدد السؤال:
كيف يمكن للعقل البشري، وهو من أعظم ما كُرّم به الإنسان، أن يقبل مثل هذه التناقضات؟

إن القرآن الكريم يلفت النظر إلى هذه الحقيقة حين يذكّر الإنسان بنعمة العقل والتكريم، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾

فالعقل نعمة عظيمة، لكن حمايته من التزييف والتضليل مسؤولية أعظم.

شاركها

تعليق واحد

  1. احسنت وصدقت ياشيخ عبدالله فيما ذكرت وجزيتم خيرا على التوضيح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى