/
/
الأرقام ما بين المُفرحة والمُفجعة

الأرقام ما بين المُفرحة والمُفجعة

Picture of بقلم _ عبد الفتاح أحمد الريس

بقلم _ عبد الفتاح أحمد الريس

أناس كثيرون ينظرون للأرقام على أنها مُجرد رموز عابرة تُستخدم فقط في العمليات الحسابية، ولكن بعدما يسبرون غورها من الناحيتين المادية والمعنوية يجدونها بخلاف ذلك، ولعلنا نبدأ بنشأتها أولاً، فلقد بينت دراسات تاريخية إلى أن الهنود هم أول من استخدمها وهي على هذا النحو(1، 2، 3 وحتى 9) أبان القرن الخامس قبل الميلاد، وعندما جاء العالمان الخوارزمي والكندي قاما بترجمة هذه الأرقام إلى العربية، مع دمج الصفر في دراستهما وذلك في القرن التاسع الميلادي، وقد كانت هذه الأرقام تُكتب لفظاً، لا رقماً انذاك، وفي عهد الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين، تمت كتابة جميع الأرقام الواردة في القرآن الكريم وفقاً لذلك، كما في قوله تعالى(وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) وقوله أيضاً (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) بالإضافة لأرقام أخرى منها ما تدعو للتدبر والتأمل، ومنها ما يُجسد الإعجاز القرآني بمختلف صوره، كاقتران الدنيا بالآخرة، بعدد 115مرة، واقتران الملائكة بالشياطين بعدد 88 مرة، واقتران الهدى بالرحمة 79 مرة، وهكذا، أما الأرقام الكسرية فإن أول من استخدمها المصريون القدماء تلاهم الصينيون القدماء، ومن ثم العرب، فيما اعتبرها فيثاغورث عالم الرياضيات والذي توفى سنة 495 ق.م شيئاً مُقدساً، وقد صنفها لثلاثة أنواع: مُثلى، وفردية ومزدوجة، بينما قامت مجلة (ناتوري هيمان) بنشر دراسة حول هذه الأرقام مفادها بأن التعامل مع الأرقام الأكبر أسهل من الأرقام الأصغر، وعلى العموم فإن الأرقام مهما اختلفت ستظل جزءُ لا يتجزأ من حياة كافة البشر، بل ومن غير الممكن الاستغناء عنها بتاتاً، وكيفما كانت الأحوال والظروف، فمعرفة الأزمنة، والأوقات والأطوال والأوزان والأحجام والمساحات، والتصاميم الهندسية، لا تتم إلا بواسطتها، عدا كونها باتت أحد المستخدمات السرية لفتح الكثير من الأجهزة الالكترونية والتقنية، كالجوالات وبطاقات الصرف الآلي، وأبواب بعض البيوت والسيارات، وبقدر ما هناك أرقام مُفرحة، كحصول تاجر على أرباح عالية في صفقة تجارية، بقدر ما يقابها أرقام مُفجعة، وقتما يُبلّغ مريض بانخفاض ضغطه أو سكرّه، أو نبضات قلبه فتنهار قواه الجسمية، أو يفقد متداول في الأسهم وعيه لمجرد رؤية أسهمه وهي في وضع هابط جداً، كما أخبرنا به أحد الأصدقاء قبل عدة سنوات، أما الباحثون الذين يطلقون أعماراً مُبالغٌ فيها، على مُكتشفات أثرية، كمثل ذلك الباحث الذي حضر لمنطقة أثرية ووقف أمام جبل وقال بأن عمره يُقدر بخمسة وأربعون مليون سنة، فهذا ليس صحيحاً لعدم استناده لأدلة تاريخية قاطعة، ومثله ذلك الشخص الذي قام بنشر، قائمة تتضمن أعمار أنبياء عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي، دونما دليل من القرآن الكريم أو السنة النبوية، أما بالنسبة للنبي نوح، عليه السلام، والذي كان من ضمنهم فلم يكن ما ورد في قوله تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا) يُمثل عمره الحقيقي وإنما المدة الزمنية التي قضاها في دعوة قومه لعبادة الله وحده، كما وأن المسافة بين كل سماء وأخرى، والتي يستشهد بها بعض المتدينين بأنها مسيرة خمسمائة عام، لا نجد لهذا التقدير دليل قاطع في المنهج الإسلامي، وينطبق ذلك على المسافات التي قدرها علماء الفلك بنحو 26مليون مليون ميل، ما بين النجوم والأرض، 93مليون ميل ما بين الشمس والأرض، 384 ألف كيلو متر، ما بين القمر والأرض، مُعتبرين قيام ناصحين بحث المصابون بأمراض مستعصية أو متعثرين في تحقيق مصالحهم الشخصية أو ممن يشكون الفاقة أو الكرب بتكرار أدعية مُعينة لمئات المرات، فهذا نُعده انتهاجاً يُجانب الصواب، فالاقتراب من الله لا يُقاس بالأرقام أو بالعدد وإنما باليقين. وكون الله سبحانه وتعالى يُحب العبد اللحوح كما ورد في الحديث فهذا لا يعني أنه مُقيد برقم أو عدد مُعين، فالله يسمع الدعاء قبل أن يُنطق، ويستجيب بإخلاص القلوب لا بكثرة التكرار، أما المبالغة في أثمان لوحات السيارات المميزة، أو بعض الحيوان والطيور، لتصل لعشرات الآلاف من الريالات فهذا نوع من التلاعب بالمشاعر والاستغلال المنهي عنه في الإسلام، وإذا ما أرد أي إنسان معرفة أي عدد، أو سعر، أو وزن أو قيمة أو مقدار، في شتى نواحي الحياة فعليه أن يسأل (بكم) وكمثال كم عمرك ؟ كم عدد الأشواط بين الصفا والمروة … ولندرك جميعاً، بأن كل واحداً منها يُمثل رقماً واحداً في هذه الحياة، غير أن قيمتنا الفعلية تكمن فيما نقوم به من أعمال صالحة ومنجزات مُفيدة وهادفة في اطار من التعاون الخلاق لإعمار الأرض، قال صلى الله عليه وسلم وهو يخاطب أمته ذات مرة ( يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قيل يا رسول الله، أفمِن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرون، ولكنكم غثاء كغثاء السيل . . ) مشيرين في الختام إلى أن المفهوم الرقمي يختلف عن المفهوم العددي، فالأول تحده حدود كما أوضحناه في المقدمة، أما المفهوم العددي فلا نهاية له، ولذلك تم استخدامه في العلوم الرياضية، فيما شبهه أحد المفكرين الأرقام باللبنات الأساسية لتشييد عمارة، بينما الأعداد اعتبرها هي البناء النهائي لتلك العمارة، وتأسيساً على ما سبق فإن من يتخذ الأرقام مطية لتحقيق طموحات دنيوية بأي طريقة كانت، فليعلم بأنها زائلة، والعبرة بحسن الخاتمة.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى