إن المتأمل في عادات مجتمعاتنا يرى خصالاً حميدة وتقاليد ضاربة في الجذور تجسد أسمى معاني التكافل والتعاون الإنساني، ومن أبرزها عيادة المريض والوقوف بجانبه في أزمته الصحية. لكن هذه العادة النبيلة قد تتحول أحياناً إلى عبء صحي أو نكسة تُعيد المريض إلى مربعه الأول بسبب تلك الزيارة التي لا تراعي طبيعة المرحلة التي يمر بها، خاصة في فترة النقاهة التي تسبق استعادة العافية الكاملة.
ولعلنا نبدأ بظاهرة الزيارات الجماعية المثقلة بالعطايا النقدية أو ما يعرف بالزيارة، وهي بلا شك صورة من صور التآزر الاجتماعي، لكنها قد لا تتناسب مع ظرف المريض الصحي أو توصيات الطبيب بضرورة الهدوء وكثرة الكلام وتجنب الانفعالات. إن تقديم هذه الهدايا وفي وقت غير مناسب قد يفتح أبواباً من اللغط وكثرة الحديث التي تستنزف طاقة المريض، لذلك فإن احترام خصوصية المريض وظرفه، خاصة بعد العمليات الدقيقة في القلب أو الدماغ، يقتضي تأجيل هذه المظاهر حتى يستعيد المريض قواه، لتكون الزيارات حينها خفيفة وفي أوقات يحددها ذووه.
كما أتمنى مراجعة موضوع الولائم والمناسبات الكبرى في تلك الفترة تحديداً، فمن إكرام المريض الاحتفاء بسلامته عبر رسائل التواصل النصية أو واتساب حتى يتجاوز المرحلة الصعبة. فإن مريض الجراحة يحتاج إلى السكينة لتقوية مناعته، فهو يرزح تحت وطأة إرهاق جسدي ونفسي، وأي ضجيج أو تجمعات قد ترفع لديه مستويات التوتر والقلق، مما يؤثر سلباً على مؤشراته الحيوية ويستدعي تدخلات طبية طارئة.
إن الإرشادات الطبية التي تمنع الزوار أو تقيد الحركة ليست مجرد إجراءات تنسيقية، بل هي جزء أساسي من الخطة العلاجية. فالمريض في بدايات شفائه يكون مستهدفاً من الفيروسات لضعف مناعته، وقد يكتسب عدوى من ملامسة زائر عابر قد تودي بحياته لا قدر الله أو تتسبب في انتكاسة خطيرة. وهناك قصص وتجارب المضاعفات الناتجة عن الانفعال أو كثرة الكلام في غرف التنويم وفي فترة النقاهة بالمنزل كثيرة ومؤلمة. نحن اليوم بحاجة إلى وعي أعمق بالضغط المعنوي الذي يواجهه المريض، فلنجعل زيارتنا خفيفة لطيفة وشافية تمنحه دافعاً معنوياً متبوعة بصادق الدعاء له في ظهر الغيب. وعلينا أن نتقبل اعتذار أهل المريض عن الاستقبال بروح رياضية وصدر رحب، فالمحب الحقيقي هو من يراعي سلامة من يحب وبإمكاننا الاحتفاء به في مناسبة كبرى وهو بكامل صحته وعافيته ليشاركنا فرحتنا جميعاً
إن وعينا الاجتماعي هو الأمان الصحي للمريض فلنجعل كرمنا في عدم التواجد المرهق ولنلتزم بما ينفع المريض جسدياً وذهنياً فالمراعاة هي أرقى درجات الإهتمام والتقدير .
بقلم الكاتب : عائض الشعلاني.














