كما ذكرت في مقالات سابقة خلال فترة العقوبات الأمريكية ، أن ايران كانت ترتبك مع كل اعلان أمريكي بعقوبات جديدة، فتنطلق آنذاك الزوارق البحرية، ويتحرك رتل من العربات العسكرية تجر خلفها صواريخ باليستية في استعراض للقوة العسكرية، ثم الطلب من قيادات عسكرية في الحرس الثوري تلاوة بيانات متلفزة تتضمن التهديد والوعيد لأمريكا والدول المطلة على الخليج العربي التي تعرضت مؤخرا بعد الحرب على ايران الى استهداف بعض منشآتها المدنية والنفطية في محاولة لتوسيع دائرة الصراع المسلح في الحرب الدائرة حاليا بين ايران و أمريكا و إسرائيل لتشمل مناطق واسعة من الشرق الأوسط.
كانت إيران ضاقت ذرعا بالعقوبات الأمريكية منذ فشل الاتفاق النووي بين إيران ودول 5+1 عام 2015 نتيجة لعدم التزام إيران آنذاك ببنود الاتفاق حيث لا زالت تمضي قدما منذ ذلك الحين في تخصيب اليورانيوم و تطوير منظومة الصواريخ وبناء المفاعلات النووية وتهديد أمن الملاحة البحرية في الخليج العربي وبحر العرب، فضلا عن الاستمرار في تصدير السلاح لدعم المليشيات الإرهابية في اليمن والحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان، والاشتراك في العمليات القتالية الى جانب نظام الأسد في سوريا.
يدرك المجتمع الدولي باستثناء الصين وروسيا وبعض دول أوروبا المستفيدة من الاتفاق النووي بما يفسح المجال أمام شركاتها لإبرام عقود تجارية مع طهران، يدرك أن خطر إيران على السلام العالمي يتمثل في الدعم العسكري للجماعات المسلحة في دول الشرق الأوسط من الخليج الى المحيط لأجل زعزعة الاستقرار في المنطقة أملا في اجراء تغيير ديموغرافي من خلال وكلاء وعملاء كانوا يراهنون على مساندة إيران لهم في الوصول لمفاصل السلطة السياسية في تلك المناطق وبالتالي قيام إيران بشراء الولاءات الوطنية للنظام الحاكم في طهران.
وهذا ما تسعى إيران لتحقيقه منذ أمد بعيد رغم تكبد الاقتصاد الإيراني خسائر فادحة جراء مواصلة سياسة التعنت مع الولايات المتحدة وصرف مليارات الدولارات لبناء المفاعلات النووية على حساب مشروعات التنمية ورفع مستوى المعيشة للمواطن الإيراني.
كانت أدت العقوبات الأممية وفقا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231 وكذلك العقوبات الأمريكية الى حدوث اضطراب سياسي واقتصادي في إيران الى الحد الذي أثار غضب الشارع الإيراني ما أدى الى اندلاع الاحتجاجات السلمية في المدن الإيرانية للمطالبة بحقوقه في توفير الأمن الغذائي والخروج من العزلة والانفتاح على دول العالم للمشاركة في كافة المجالات التنموية والتبادل التجاري كما يحدث بين كافة شعوب العالم.
لقد أدت سياسة النظام الإيراني الى فرض عقوبات على أكثر من 27 كيانا من بينها وزارة الدفاع الإيرانية. فما هو فحوى تلك العقوبات التي بدأ سريان تنفيذها في 20 سبتمبر 2021 وكيف أنهكت النظام وجعلته يتخبط ويرتبك مع كل اعلان عقوبات جديد؟
ذكرت الولايات المتحدة الأمريكية سابقا أن العقوبات تتضمن قيودا مثل حظر مشاركة إيران في الأنشطة المتعلقة بالتخصيب وكذلك حظر اختبار وتطوير إيران للصواريخ الباليستية وإعادة المعالجة ونقل التقنيات النووية والصاروخية الى إيران.
ومن الواضح أن العقوبات الأمريكية كانت استهدفت القطاعات الاقتصادية والمالية والصناعية وعلى رأسها قطاع النفط الذي يعتبر مصدر الدخل الرئيس للعملات الأجنبية الصعبة التي تحتاجها إيران. كما شملت العقوبات تجارة إيران في الذهب والمعادن الثمينة الأخرى وكذلك مشتريات الحكومة الإيرانية من الدولار الأمريكي اضافة الى كل ما يتعلق بالتحويلات المالية والتعاملات المالية لمؤسسات أجنبية مع البنك المركزي الإيراني.
لقد أصبحت إيران في نظر العالم دولة مارقة لا تحترم الاتفاقيات والمواثيق الدولية باعتبار أنها تسعى لتهديد أمن العالم انطلاقا من منطقة الشرق الأوسط وذلك من خلال نهجها في اثارة أعمال شغب غوغائية لمليشيات موالية طائفيا وسياسيا لنظام الملالي في طهران.
ومن هنا سعى النظام الإيراني بالتعاون مع بعض الدول والحركات الأيديولوجية المختلفة الى صناعة أجندات توسعية تقوم على التغلغل في شئون دول المنطقة العربية لأجل فرض سياستها على الأنظمة والكيانات والحركات التي تدور في الفلك الايراني. ونعلم كذلك أن إيران حاولت وتحاول أن تجمع بين القوتين الاقتصادية والعسكرية لفرض اجندتها على الدول التي تعاني من الصراعات الداخلية الطائفية كالعراق واليمن وسوريا ولبنان.
ولذلك كانت العقوبات الاقتصادية الأمريكية المتكررة تأتي في إطار تطويع الموقف الإيراني والدخول في مفاوضات مباشرة مع أمريكا. وهذا ما جعل العقوبات تشل القدرة الاقتصادية لإيران من خلال تجفيف منابع الدعم المالي عن الأنظمة السياسية والجماعات الإرهابية المتطرفة من ناحية، ومن ناحية أخرى خنق النظام الإيراني بقطع الاكسجين تدريجيا عن الرئة الإيرانية التي لا زالت تنفث أمامنا اليورانيوم وثاني أكسيد الكربون الملوث بأحقاد الثورة الخمينية وأحلام احياء الإمبراطورية الفارسية البائدة.
أدت العقوبات الصارمة على إيران الى انهيار الريال الإيراني لمستويات قياسية تبلغ أكثر من 3% مقابل الدولار ما يعني أن الريال الإيراني فقد في تلك الفترة أكثر من 49% من قيمته، إضافة الى انهيار سوق البورصة واندلاع الاحتجاجات الغاضبة في بعض الأقاليم..
خلال فترة العقوبات لم ترضخ ايران للمطالب الأمريكية، وقد انهارت اقتصاديا كما أنهار الاتحاد السوفيتي خلال حقبة حرب النجوم التي انتهت بتقليم مخالب الدّب الروسي وتفكيك البلاد الى جمهوريات عديدة نتيجة لمجاراة الولايات المتحدة الامريكية في سباق التسلح وغزو الفضاء على حساب التنمية الاقتصادية وتوظيف الموارد والثروات الطبيعية لأجل الارتقاء بمستوى حياة الإنسان السوفيتيوليس بهيمنة الاشتراكية السوفيتية على الموارد والثروات والنشاطات الاقتصادية في البلاد..
وبعد فشل العقوبات بدأت مؤخرا مرحلة الحرب على ايران التي هددت واستهدفت دول أخرى مجاورة لا علاقة لها بالحرب التي شنتها امريكا و إسرائيل.
وبالرغم من مواقف الدول الخليجية الرافضة لشن حرب على ايران، إلا أن ايران لا زالت مستمرة حتى اليوم باستهداف المنشآت النفطية و الأعيان المدنية في جميع دول الخليج العربي بالإضافة الى رشقات صاروخية باتجاه اذربيجان و تركيا و إسرائيل التي تعترض بعضا من هذه الصواريخ قبل سقوطها وانفجارها.
يروج الإعلام الايراني للرأي العام العربي والاسلامي بأن ايران تقف الى جانب الشعب الفلسطيني في الأراضي العربية المحتلة لكن العالم يدرك بأن ايران لم تطلق صاروخا واحدا باتجاه إسرائيل منذ بدء الحرب على غزة في عام 2023 وحتى هذا اليوم خلافًا للرشقات الصاروخية المحدودة التي استهدفت إسرائيل خلال فترة حرب الاثنيعشر يوما التي كانت اندلعت بين اسرائيل وإيران في الثالث عشر من يونيو حزيران 2025 ولم تسفر آنذاك عن وقوع خسائر كبيرة لدى الجانبين الإسرائيلي والإيراني كما أوضحت في مقالات سابقة بعنوان ” حرب اليوم الواحد”، و “التفاهمات المتبادلة بين الأطراف المتحاربة“.
نتساءل اليوم حول ما إذا ستقبل الأطراف المتحاربة بالجلوس على طاولة المفاوضات لتجنيب المنطقة والعالم ويلات الحروب أم أن لغة الصواريخ البالستية ستكون هي لغة التفاهم الوحيدة بين الأطراف المتحاربة! هذا ما سوف تثبته الأيام أو الأسابيع القادمة.














