/
/
مهندس الأوقاف… سيرةُ رجلٍ عاش للوقف ورحل في موسم العطاء

مهندس الأوقاف… سيرةُ رجلٍ عاش للوقف ورحل في موسم العطاء

Picture of بقلم _ عبدالحميد سعيد المالكي

بقلم _ عبدالحميد سعيد المالكي

في يوم الاثنين 6 رمضان، وفي شهرٍ تتضاعف فيه الصدقات وتُفتح أبواب السماء، ترجل الشيخ سليمان بن جاسر الجاسر – رحمه الله – بعد رحلةٍ حافلة بالعطاء، لم يكن فيها مجرد داعيةٍ إلى الوقف، بل مهندسًا أعاد تشكيله بروحٍ مؤسسية ورؤيةٍ عصرية.

رحل الجسد، وبقي الأثر… وبقيت المشاريع التي ما زالت تعمل بصمتٍ في ميادين الخير.

الوقف… من العاطفة إلى المؤسسة

آمن الشيخ الجاسر أن الوقف ليس إجراءً تقليديًا يُكتب في وثيقة، بل منظومة متكاملة تحتاج إلى فكرٍ وإدارةٍ وحوكمة.
ومن هنا جاءت واحدة من أبرز محطات سيرته: تأسيسه ورئاسته مجلس إدارة مركز واقف (خبراء الأوقاف والوصايا).

كانت الفكرة رائدة؛ نقل الوقف من نطاق المبادرات الفردية إلى مؤسسة متخصصة تقدم:
• الاستشارات الوقفية الاحترافية
• التدريب والتأهيل للنظّار والمهتمين
• نماذج حوكمة وإدارة حديثة
• حلولًا تضمن الاستدامة وتنمية الأصول

اعلان

بهذا الطرح، لم يعد الوقف مجرد صدقة، بل مشروعًا استراتيجيًا يُدار بكفاءة ويُقاس أثره بوضوح.

ريادة مبكرة في “الوصية الإلكترونية”

ومن دلائل نظرته الثاقبة، تبنيه المبكر لفكرة الوصية الإلكترونية، في وقتٍ لم يكن الحديث عنها شائعًا.
رأى أن التحول الرقمي ليس ترفًا، بل ضرورةً لحفظ الحقوق وتسهيل توثيق الوصايا وتمكين الناس من ترتيب صدقاتهم الجارية بطريقة آمنة وميسرة.

جمع في هذا الطرح بين فقه المقاصد الشرعية، وفهم التحولات التقنية، ليقدم نموذجًا يواكب العصر دون أن يفقد أصالته.

الدال على الخير… شريك الفاعلين

لم يكن الشيخ يملك المليارات، لكنه كان سببًا – بفضل الله – في توجيه ما يقارب 14 مليار ريال إلى مشاريع وقفية متعددة.
تحولت كلماته الصادقة إلى قراراتٍ كبيرة، ومواعظه إلى أوقافٍ ممتدة.

لم تكن هذه الأرقام إنجازًا ماليًا فحسب، بل خريطة أثرٍ إنساني:
جائع أُطعم، طالب علمٍ تعلّم، مسجدٌ بُني، مشروعٌ استمر.

لقد جسّد معنى الحديث الشريف: “الدال على الخير كفاعله”.

حضورٌ ميداني وعطاءٌ مجتمعي

لم يكتفِ بالعمل المؤسسي، بل ظل حاضرًا في الميدان الدعوي والاجتماعي، من خلال رئاسته لـ المكتب التعاوني للدعوة والإرشاد بحي الصحافة بالرياض، حيث شارك في برامج التوعية والإرشاد، وقاد مبادرات دعوية مستمرة.

كما عُرفت محاضراته العلمية، ومنها دروسه حول “أحوال النبي ﷺ في رمضان”، التي كانت تمزج بين التأصيل العلمي والبعد التربوي، وتربط الناس بسيرة نبيهم في موسم الطاعة.

سر التأثير… صفاء القلب

كان الشيخ الجاسر مثالًا في سلامة الصدر ونقاء السريرة، بعيدًا عن الخصومات، قريبًا من الناس، محبًا للخير للجميع.
كلماته كانت تخرج من قلبٍ صادق، فتقع في القلوب قبل الآذان.

العمر الثاني… حين يكون الأثر هو البقاء

رحل في السادس من رمضان، لكن ما أسسه ما زال يعمل.
المراكز قائمة، والأفكار حيّة، والأوقاف مستمرة.

لقد آمن بأن الإنسان يعيش مرتين:
مرةً بجسده، ومرةً بأثره.
الأولى يطويها الموت، والثانية يمدّها العمل الصالح.

وهكذا كان…
رجلٌ يمكن أن يُختصر في وصفٍ واحد: مؤسسةٌ في رجل.

رحم الله الشيخ سليمان الجاسر، وجعل ما قدمه من علمٍ ووقفٍ ودلالةٍ على الخير في ميزان حسناته، ورفع درجته في عليين، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى