في ليل الرياض، حين يقترب التاريخ من ساعته الفارقة، لا يكون الضوء مجرد إنارة شوارع، بل يصبح بياناً بصرياً يُعلن أن الأرض لا تنسى أبناءها، وأن البدايات العظيمة لا تُمحى من ذاكرة المدن.
ومع حلول منتصف ليل الحادي والعشرين من فبراير، أزاحت مؤسسة حديقة الملك سلمان الستار عن عمل فني ضخم عند تقاطع طريق العروبة مع طريق الملك عبدالعزيز الفرعي، ليكون المشهد افتتاحية بصرية ليوم التأسيس 2026؛ يوم تستعيد فيه المملكة حكايتها الأولى، وتعيد قراءة جذرها الذي ما انقطع.
وبوصفي مهتماً ومتابعاً بشغف للتحولات العمرانية والثقافية في المملكة، ومهتماً بما تصنعه الفنون حين تلتقي بالمشاريع الكبرى، كان لي أن أقف أمام هذا العمل بدهشة صادقة وإعجابٍ مهني عميق.
لم أره مجرد مجسّم في فضاءٍ حضري، بل قرأته كبيانٍ ثقافي يختصر مسيرة وطن، وكأن الأرض نفسها اختارت أن تتكلم بلغة الحرف والضوء.
يوم التأسيس ليس استذكاراً عابراً لحدثٍ تاريخي، بل هو عودة واعية إلى لحظة الميلاد السياسي للدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود في الدرعية عام 1727م؛ لحظةٌ تحوّلت فيها الأرض من جغرافيا إلى هوية، ومن ترابٍ إلى عهدٍ جامع.
ومن هنا، جاءت مبادرة المؤسسة بوصفها قراءة معاصرة لذلك العهد، وترجمة فنية لفكرة أن الأرض كانت ولا تزال الركيزة الأعمق في بناء الدولة واستمرارها.
العمل الفني الذي أبدعه الفنان والخطاط والشاعر السعودي محمد العجلان لم يكن مجرد تشكيل جمالي في فضاءٍ حضري، بل نصاً بصرياً متعدد الطبقات، يستلهم تنوّع مناطق المملكة وأزيائها التراثية وشخصياتها الملهمة، ليصوغ وحدةً وطنية لا تلغي الاختلاف، بل تحتفي به.
ففي طبقات الحرف العربي، أعاد العجلان بناء السردية الوطنية بحسّ شاعري، حيث تتجاور الجذور العميقة مع نبض التحول الحديث، وتتماهى الدرعية الأولى مع الرياض المتجددة.
لقد اختار الفنان أن يجعل الحرف العربي بؤرة المعنى، وكأنه يقول إن الهوية السعودية كُتبت أولاً في الوجدان قبل أن تُسجّل في الوثائق.
الحرف هنا ليس زخرفة، بل شاهداً تاريخياً، يتقدّم من زمن الطين والبيوت الأولى إلى زمن المدن الذكية والاقتصاد المستدام.
ومن خلال إعادة صياغة معاصرة للحرف بطبقات متداخلة، يتحول العمل إلى جسرٍ بين زمنين… زمن التأسيس وزمن الرؤية.
وفي هذا السياق، تبدو حديقة الملك سلمان أكثر من مشروعٍ بيئي، إنها استعارة حضرية لفكرة الروضة التي حملت اسم الرياض، واستعادةٌ لصلتها الأولى بالطبيعة.
فالمؤسسة من خلال اهتمامي ومتابعتي ومطالعتي تشرف على تنفيذ أحد أكبر المشاريع البيئية والتنموية في العالم، على مساحة كبيرة جداً في قلب العاصمة، ضمن مشاريع الرياض الكبرى التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في إطار رؤية السعودية 2030.
والغاية ليست فقط زيادة المساحات الخضراء، بل إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان ومدينته، بين الذاكرة والمستقبل.
من خلال استماعي للمدير التنفيذي لإدارة التواصل في المؤسسة، نجلاء العتيبي، فقد لخّصت المعنى بعبارة دقيقة حين أكدت أن يوم التأسيس محطة مفصلية تستحضر دور الأرض في ترسيخ وحدة أبنائها وتشكيل هويتهم عبر التاريخ، وأن هذه الأرض بما تختزنه من إرث عريق تواصل رسم ملامح الرياض ودعم مسيرتها التنموية.
وفي هذا الامتداد، تعمل المؤسسة على تجسيد المعنى في فضاء حضري متكامل، لتصبح الحديقة روضة خضراء تعزز الاستدامة وترتقي بجودة الحياة.
اللافت أن العمل لم يُقدَّم فجأة؛ فقد سبق الكشف عنه حملة تشويقية عبر القنوات الرقمية للمؤسسة، خلقت حالة من الترقب والفضول، وكأن المدينة كانت تتهيأ نفسياً لاستقبال صورةٍ تعيد ترتيب ذاكرتها البصرية.
وحين انكشف المشهد كاملاً، بدا وكأن الرياض تُصافح تاريخها أمام أعين ساكنيها.
إن الربط بين نشأة الدولة السعودية في الدرعية والتحول الذي تشهده الرياض اليوم ليس ترفاً رمزياً، بل تأكيد على أن التحولات الكبرى لا تنجح إلا إذا استندت إلى جذور صلبة.
فكما انطلقت الدولة من أرض الدرعية، تنطلق اليوم مشاريع التحول من أرض الرياض، في دورة تاريخية تؤكد أن الهوية ليست ماضياً يُحفظ في المتاحف، بل طاقةً تُستثمر في بناء المستقبل.
ومن موقع مهتم وكاتب يمني يقيم في المملكة، ومراقبٍ لتجربتها التنموية والثقافية، أجد في هذه المبادرة درساً بليغاً في كيفية تحويل الرمزية إلى مشروع، والفن إلى رسالة، والاحتفاء إلى رؤية.
لقد أثار العمل في داخلي ذلك الإعجاب الذي لا يُكتفى بمشاهدته، بل يُدفع إلى صياغته كتابةً، لأن بعض اللحظات تستحق أن تُروى كما تُرى.
هكذا، عند تقاطع طريقين في قلب الرياض، لم يتقاطع الإسفلت فقط، بل تقاطعت الأزمنة.
وهناك، حيث وقف العمل الفني شامخاّ، بدت المملكة وكأنها تقول… نحن أبناء أرضٍ كتبت تاريخها بوعي، ونكتب مستقبلها بثقة.














