يَشِيعُ بين الناس -بحُسْنِ نيَّةٍ غالباً-: أن الحياةَ تؤخذ مِن الآخرين: مِن تجارِبِهم، أو نصائحِهم، أو حكاياتهم، ومِن بطون الكتب، وصحائفِ الجرائد، وقاعات الجامعات.
ولا ريبَ أن في ذلك نفعاً؛ فالخبرات المنقولة تُضيء الطريق، والمعارفُ تُرتِّب الذهن، والقراءةُ تُهذِّب السؤال، لكنها -في نهايةِ المطاف- لا تَمنَحك أكثرَ مِن خرائطَ أنيقة.
أما الطريق نفسه: فلا يبوحُ بعمقِه إلا لمن تعثَّر فيه…ثم نهَض ومشى.
قد تقرأ حتى يثقُلَ رأسك، وتَسمَع حتى تمَلَّ أُذناك، وتظن أنك أمسكتَ بالحقيقة من أطرافها؛ فإذا هي -حين تُجرَّب- تُفلِت منك ضاحكةً، وتكتشف أنها ليست مجرَّد فكرة تُحفَظ، بل خبرةٌ تُدفَع أثمانها: حرارة لا تُدوَّن، وألم لا يُشرَح، وطَعْمٌ لا يُستعار من أحد، عندئذ فقط تُدرِك الفرقَ بين «المعرفة»، و«البصيرة»؛ فالأُولى تُقال، والثانية تُعاش.
وهنا تبدأ المفارقةُ التي لا ينتبه لها كثيرون إلا متأخرين: أن التجرِبةَ هي المعلِّمُ الذي لا يعرف المجاملةَ؛ لا يَرفَع صوتَه، لكنه يضعك أمام نفسك بلا مواربة، وأن الخطأَ -على قسوتِهِ- درسٌ فظٌّ، لا يكرِّرُ نفسَه لمن لم يَفهَم، وأن الزمنَ شارحٌ طويل النَّفَس، لا يستعجل، ولا ينتظر أحداً، يمضي بهدوء، ثم يلتفتُ إليك فجأةً لتكتشفَ أنك كنت تمرُّ على أشياء قريبة منك؛ كمَن يمرُّ أمام المرآة مسرِعاً فلا يرى تقاسيمَ وجهه.
وليس المرادُ مِن هذا الكلام ذَمَّ القراءةِ، أو تحقيرَ التعلُّم؛ إنما المقصود أن الحياةَ -في أدقِّ أسرارها- لا تُعطيك حقيقتَها كاملةً إلا إذا قاربتَها بجسدك وقلبك معاً، وربما دفعتَ لها شيئاً من أعصابك وطُمَأنينتِك، وإلا بَقِيَتْ معرفتُك بها كمعرفةِ مَن كتبوا عن البحر كتابةً بديعة، وتغزَّلوا في مَوْجِه وجماله، ثم عادوا إلى بيوتهم بأقدامٍ جافةٍ لم تَبتلَّ بالماء.
وإذا كان في هذا ما يوجِعُ، ففيه أيضاً ما يحرِّرُ: أن تُدرِكَ باكراً أن الخرائطَ لا تُغنِي عن المشي، وأنك إن لم تذُقْ حرارةَ التجرِبة -بوعيٍ وتواضع- فلن تذوقَ طَعْمَ الحقيقة، مهما أحسنتَ حِفْظَ عناوينها ودندنةَ حروفها.
كتبه: د. محمد بن غالب البقمي














