انتهى موسم الحج عام ١٣٦١ وقبل ذلك العودة من الحبشة رحلة عمل وترزق ، ووعد قائد محمل الحبشة بعد أن ينتهي موسم الحج . أعطاء أجرة ذلك الخراصي المواطن السعودي مستحقاته النقدية خلال فترة عمله بالحبشة ، وموسم الحج . مجموعها مائة وخمسين فرانس عملة معدنية من ذهب . نظير خدماته بالحبشة ، ومشاركاته المحمل ” موسم الحج “. ينتظر انتهاء موسم الحج بفارغ من الصبر . الشوق يسوقه مضارب عشيرته الدفينة ومداركها . هذه الناحية ماءها قرهود . يهجي عن الطعام . عذبة الماء . نقية الهواء . دمثة التربة . لحم اغنامها طعم ولذيذ . ينعت ماءها ” ريق البنات ” لطلاوته وحلاوته . الدفينة من مدارك عشيرته ، وجل سكانها روق يخالطهم شبختان من القثمة – الخلد – ونزراً من البرقاوية ، وقليلاً من الحاضرة .
لا حدس الشوق يدفعه مرابي جذوره ، وعبلة جدوده ، ومساقط رؤوس أصوله ، ومواطي فصيلته التي تأويه ، ومدارج عربانه . المحازة وركبة صنوان شفاء عالية نجد . التكوين المكاني والاجتماعي لهما ذكر غير خامل ، وأصالة السلائل البشرية ، والتربة المباركة . نسناس الهواء العليل وبراده المنعش ، وغلمنة غيومه ، وانبساط اديمها ، واستوائه لا اعوجاج فيه ، وتطرق كثبانها ، وبروز طعوسها ، وزين رمثها ، وعبق عرفجها ، وتموج أغصان سلمها وسمرها الشوكي ، وأخضرار حمضها ارتواء ماءه ، والنصي حشيشاً نابتاً في رملتها . مراتع الابل حرش العراقيب ، والشاة البيضاء حرشاء الشعر ، والماعز . هطل الاذاني عريضة متدلية . جرم البدن . ناعمة الشعر . حلوب . أمير المؤمنين/ عمر بن الخطاب رضى الله عنه فضل أن يكون له خيمة بركبة يبيت فيها ليلة خيراً له من قصور بصرة بالشام معللاً طيب هواءها ، وعذوبة ماءها ، وجمال الطبيعة . الدفينة بين ناحيتين ناحية ظلم ، وناحية محازة الصيد ، وكلاهما مواطن الريم والظباء والأدمي ، وغزلان البرية ومغزلاتها ، والضويحي .
نهاية المطاف إستلام مستحقاته المالية من المحمل . طالما كان يحلم بها ، وطال إنتظارها . تراوده في منامه الأبل والخيل ، والأغنام والزواج ، وبيت الشعر مروبع الخدر ، ولايقل عنه جانب شق الضيوف ، ومكانته الاجتماعية بارزة بين عشيرته ، وكرامة العيش الكريم . يتحقق بها احلامه . شاكراً الله على هذه النعم ، والمثل المحلي الدارج: من غاب جاب الغنائم . وصل مدارك ذويه .
سعى البشير لوالده ” مقذل ” مخبراً عن وصول أبنه الغائب، والمطايا محملة بالارزاق ، فلما وصل الأبن والده وجده في خدر متشقق الخلول بالدفينة مضارب عشيرته التي تأويه ، وهو في ركب حجاج شفاء عالية نجد . بُشر والده به ، ووعد والده استبدال هذا الخدر بما هو أفضل منه وأحسن . ارسل والده مراسيله لفريق عشيرته العشاء بمناسبة عودة أبنه ” عوض “من الغربه . اخبر والده بتفاصيل رحلته ، ومكوثه بالحبشة ، وما وجده بالحبشة من نعيم ، وأخضرار الجبل والسهل .ظن في بادي الأمر أنها الجنة الموعدة التي يذكرها المطاوعة لا أذن سمعت بها ، ولا عين رات مثلها . مكث بالحبشة قرابة العام ، وجلب مالاً وخيراً وفيراً مقداره مائة وخمسين فرانساً ذهباً . أجرة اتعابه طوال فترته بالحبشة ، وموسم الحج . ما أن سمع والده مقدار المبلغ أنتابه فزع وارتعاش ثم انصرع مغشياً. عليه ، واغشي عن وعيه . تسارع الحاضرون برشه بالماء البارد من إحدى مشارب القُرب من أجل ان يفيق من الاغماء . ظن الجميع إغماءه عن الوعي من الفرح ، وعدم تحمل تصوره المبلغ ، تبين فيما بعد ان فاق من غيبوبته قال: ياويلنا من ابن سعود يقطع روسنا ظناً سارقين الحجاج ثم بالصباح الباكر ركبا مطاياهم قاصدين إمارة الناحية بمقابلة أمير الناحية أخبراه بالمبلغ ففزع الأمير من المبلغ قال: مائة وخمسون فرانساً ذهباً هذا ليس أجرة؟ سارقين الحجاج فحلف الأبن ايمان مغلظة كده ، وتعبه ، واجرته . غربته بالحبشة ، وموسم الحج هذا العام بينما توقف الأب قائلاً: ما عرفناه ، وعشيرته الكذب .
عرج موضح القول: ليست سرقة انها عملة نقدية من نوع واحد ، وليس مختلطة بها عملات حتى تتوهم الظن سرقة ؟ وهل يتقدم أحد من الحجاج ببلاغ فاقد مبلغاً فرانس ذهب ؟ حتى تكون الشبهة قوية في موطن التهمة .
قال الأمير: اترك هذا الكلام غير مقبول ردوا المال ، سنتحرى عن اخباريات سرقات حصلت في موسم حج هذا العام . أخبر أحد الحاضرين ان الأمن العام اعلن لم يقع في حج هذا العام سرقات . انفعل الأبن من رد الأمير وتسليم المبلغ ، وكاد يخرج من طوقه ، ويفقد عقله ، وراودته نفسه ان يقفز على الأمير إلا إنه لاحظ أن القاعة مكتضة بالاخوياء ، ومحاط الأمير بحرص شديد من الأخويا مدججة بالسلاح مطوقينه من كل جانب . جعله يتردد ، والمثل القائل الكثرة تغلب الشجاعة ، ووفق القاعدة الأصولية ” ممثل الحاكم حاكم ولو ليس بدرجة حاكم طاعته طاعة للحاكم . فوض أمره لله ، فطلب الأمير موظفاً بعد المحاورة الشديدة معهما أن يدون معلومات مصدر المال عن كيفية حصوله ؟ من سلمه المبلغ ؟وغيرها منّ التساؤلات . بعد تسليمه المبلغ ، ذرف الدمع . حلف الموظف بعد ان دون معلوماته إنه صادق صادق ، فقال الأمير: ما طلبنا يمينك ولا شهادتك بصدقه ؟.،
الأب تدخل بين عمعمة أبنه ويمين الموظف قائلاً: على هونك يالأمير ” من أخذ ماله خف عقله ” لم يبالي الأمير بذلك .
خرجا والأبن يصرخ بأعلى صوته . تالله مكدة وعرق سنة ، والده يهون عليه السلامة مغنم ، والعافية مطلب ، والأبتعاد عن الشبهات مكسب . تسلم الرؤوس ، ولا تجز أو السجن . أن غضب الحاكم لا حدود له . نؤثر السلامة والحال خيراً من المال ، ولا قطع الرؤوس ، فقال الموظف: بالإيعاز للأبن عليك بأنصاف الليالي . فكرر والده نخرج سالمين ابرك من قطع الرؤوس أو السجن أو العطب المؤبد . خرجا وجلين من مبنى الناحية .
انصرام قرابة عام كامل أو أقل قليلاً . استدعيا بالصفة الرسمية من قبل الناحية من خلال شيخ القبيلة ، وحينما مثلا أمام أمير الناحية . ذكر أن كل ماذكره الأبن صحيح ، وأمر بتسليم المبلغ ، فقال الأمير: العذر والسموحة ما بدر من الناحية . أمن الحج لا صوت فوق صوته .استلم النقود كاملة دون نقص .
قال الأمير: عد نقودك قبل أن تغادر مكانك ..
قال الأب: مابعد الحكومة عد .
قال: عد النقود ، ولا تجادل الشيطان موجود مامت لا يفرق بين الحكومة وغيرها .
عد النقود كامله بالتمام .
قال الأمير: أمن الحج والحجيج خط أحمر ، وجل أهتمام الحكومة . نحد من الطماميع ، وقراصنة الحج ضعاف النفوس ونقلص من اختراقات أمن الحج ، والحد من ما ينغص الحجاج ، ومخفسانية السرقان ، وجل اهتمامات الملك أمن البلاد والحج . قفيا بالخروج استدعائهما الأمير .
قالا: خيراً أن شاءالله أيها الأمير .
قال: معكم مبلغ ليس بالقليل لا تعبثوا فيه اشتروا به دور حول مسجد أبن عباس أو حول الحرم المكي والنبوي . أصلح لكم ، وأجدى . شكراه على هذه النصيحة .
قال الأبن لوالده: نأخذ بمشورة الأمير فقال الأب: ” بيت ماهو في بلدك لا لك ، ولا لولدك ” لاشك اشتروا بها أبل وأغنام وخيول ، وتزوج بها الأبن وأخوانه ، معدد الزوجات ، وبنوا بها بيوت الخدور المروبعة وأقرضوا منها بعض أفراد عشيرتهم التي تأويهم ، وبعض المعارف ، ومن يعز عليهم . حفروا مورد ماء صدقة في سبيل الله في حشة الدفينة الشمالية الغربية ، وشكروا الله على هذه النعمة .
دام عزك ياوطن ، ودام عز القيادة الرشيدة ، ودام عز سلمانها سلمان الحزم خادم الحرمين الشريفين ، ودام عز ولي العهد الأمين محمد العزم رائد الرؤية المباركة نهضة شاملة متوازنة في كافة المجالات بين النواحي والمراكز .
بقلم _ خالد حسن الرويس
أضواء الوطن
- 31/01/2026
- 63746
شاركها
-
سعودي وأفتخر
ما شاء الله الله يوفقه نموذج يحتذى به لقوة الإرادة....
-
فيصل الغامدي
امتناني وتقديري....
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
-
الاعلامي رشيد البلوي
كتبت فأجدت بورك في قلمك...
أخبار المجتمع















تعليق واحد
قصة جميلة ورائعة بروعة الكاتب اتمنى لو ان يصدر لك كتاب يحوي جميع المقالات الجميلة