/
/
سته على سته – ١٣٥ –

سته على سته – ١٣٥ –

Picture of بقلم _ خالد حسن الرويس

بقلم _ خالد حسن الرويس

انتهى موسم الحج عام ١٣٦١ وقبل ذلك العودة من الحبشة رحلة عمل وترزق ، ووعد قائد محمل الحبشة بعد أن ينتهي موسم الحج . أعطاء أجرة ذلك الخراصي المواطن السعودي مستحقاته النقدية خلال فترة عمله بالحبشة ، وموسم الحج . مجموعها مائة وخمسين فرانس عملة معدنية من ذهب . نظير خدماته بالحبشة ، ومشاركاته المحمل ” موسم الحج “. ينتظر انتهاء موسم الحج بفارغ من الصبر . الشوق يسوقه مضارب عشيرته الدفينة ومداركها . هذه الناحية ماءها قرهود . يهجي عن الطعام . عذبة الماء . نقية الهواء . دمثة التربة . لحم اغنامها طعم ولذيذ . ينعت ماءها ” ريق البنات ” لطلاوته وحلاوته . الدفينة من مدارك عشيرته ، وجل سكانها روق يخالطهم شبختان من القثمة – الخلد – ونزراً من البرقاوية ، وقليلاً من الحاضرة .
لا حدس الشوق يدفعه مرابي جذوره ، وعبلة جدوده ، ومساقط رؤوس أصوله ، ومواطي فصيلته التي تأويه ، ومدارج عربانه . المحازة وركبة صنوان شفاء عالية نجد . التكوين المكاني والاجتماعي لهما ذكر غير خامل ، وأصالة السلائل البشرية ، والتربة المباركة . نسناس الهواء العليل وبراده المنعش ، وغلمنة غيومه ، وانبساط اديمها ، واستوائه لا اعوجاج فيه ، وتطرق كثبانها ، وبروز طعوسها ، وزين رمثها ، وعبق عرفجها ، وتموج أغصان سلمها وسمرها الشوكي ، وأخضرار حمضها ارتواء ماءه ، والنصي حشيشاً نابتاً في رملتها . مراتع الابل حرش العراقيب ، والشاة البيضاء حرشاء الشعر ، والماعز . هطل الاذاني عريضة متدلية . جرم البدن . ناعمة الشعر . حلوب . أمير المؤمنين/ عمر بن الخطاب رضى الله عنه فضل أن يكون له خيمة بركبة يبيت فيها ليلة خيراً له من قصور بصرة بالشام معللاً طيب هواءها ، وعذوبة ماءها ، وجمال الطبيعة . الدفينة بين ناحيتين ناحية ظلم ، وناحية محازة الصيد ، وكلاهما مواطن الريم والظباء والأدمي ، وغزلان البرية ومغزلاتها ، والضويحي .
نهاية المطاف إستلام مستحقاته المالية من المحمل . طالما كان يحلم بها ، وطال إنتظارها . تراوده في منامه الأبل والخيل ، والأغنام والزواج ، وبيت الشعر مروبع الخدر ، ولايقل عنه جانب شق الضيوف ، ومكانته الاجتماعية بارزة بين عشيرته ، وكرامة العيش الكريم . يتحقق بها احلامه . شاكراً الله على هذه النعم ، والمثل المحلي الدارج: من غاب جاب الغنائم . وصل مدارك ذويه .
سعى البشير لوالده ” مقذل ” مخبراً عن وصول أبنه الغائب، والمطايا محملة بالارزاق ، فلما وصل الأبن والده وجده في خدر متشقق الخلول بالدفينة مضارب عشيرته التي تأويه ، وهو في ركب حجاج شفاء عالية نجد . بُشر والده به ، ووعد والده استبدال هذا الخدر بما هو أفضل منه وأحسن . ارسل والده مراسيله لفريق عشيرته العشاء بمناسبة عودة أبنه ” عوض “من الغربه . اخبر والده بتفاصيل رحلته ، ومكوثه بالحبشة ، وما وجده بالحبشة من نعيم ، وأخضرار الجبل والسهل .ظن في بادي الأمر أنها الجنة الموعدة التي يذكرها المطاوعة لا أذن سمعت بها ، ولا عين رات مثلها . مكث بالحبشة قرابة العام ، وجلب مالاً وخيراً وفيراً مقداره مائة وخمسين فرانساً ذهباً . أجرة اتعابه طوال فترته بالحبشة ، وموسم الحج . ما أن سمع والده مقدار المبلغ أنتابه فزع وارتعاش ثم انصرع مغشياً. عليه ، واغشي عن وعيه . تسارع الحاضرون برشه بالماء البارد من إحدى مشارب القُرب من أجل ان يفيق من الاغماء . ظن الجميع إغماءه عن الوعي من الفرح ، وعدم تحمل تصوره المبلغ ، تبين فيما بعد ان فاق من غيبوبته قال: ياويلنا من ابن سعود يقطع روسنا ظناً سارقين الحجاج ثم بالصباح الباكر ركبا مطاياهم قاصدين إمارة الناحية بمقابلة أمير الناحية أخبراه بالمبلغ ففزع الأمير من المبلغ قال: مائة وخمسون فرانساً ذهباً هذا ليس أجرة؟ سارقين الحجاج فحلف الأبن ايمان مغلظة كده ، وتعبه ، واجرته . غربته بالحبشة ، وموسم الحج هذا العام بينما توقف الأب قائلاً: ما عرفناه ، وعشيرته الكذب .
عرج موضح القول: ليست سرقة انها عملة نقدية من نوع واحد ، وليس مختلطة بها عملات حتى تتوهم الظن سرقة ؟ وهل يتقدم أحد من الحجاج ببلاغ فاقد مبلغاً فرانس ذهب ؟ حتى تكون الشبهة قوية في موطن التهمة .
قال الأمير: اترك هذا الكلام غير مقبول ردوا المال ، سنتحرى عن اخباريات سرقات حصلت في موسم حج هذا العام . أخبر أحد الحاضرين ان الأمن العام اعلن لم يقع في حج هذا العام سرقات . انفعل الأبن من رد الأمير وتسليم المبلغ ، وكاد يخرج من طوقه ، ويفقد عقله ، وراودته نفسه ان يقفز على الأمير إلا إنه لاحظ أن القاعة مكتضة بالاخوياء ، ومحاط الأمير بحرص شديد من الأخويا مدججة بالسلاح مطوقينه من كل جانب . جعله يتردد ، والمثل القائل الكثرة تغلب الشجاعة ، ووفق القاعدة الأصولية ” ممثل الحاكم حاكم ولو ليس بدرجة حاكم طاعته طاعة للحاكم . فوض أمره لله ، فطلب الأمير موظفاً بعد المحاورة الشديدة معهما أن يدون معلومات مصدر المال عن كيفية حصوله ؟ من سلمه المبلغ ؟وغيرها منّ التساؤلات . بعد تسليمه المبلغ ، ذرف الدمع . حلف الموظف بعد ان دون معلوماته إنه صادق صادق ، فقال الأمير: ما طلبنا يمينك ولا شهادتك بصدقه ؟.،
الأب تدخل بين عمعمة أبنه ويمين الموظف قائلاً: على هونك يالأمير ” من أخذ ماله خف عقله ” لم يبالي الأمير بذلك .
خرجا والأبن يصرخ بأعلى صوته . تالله مكدة وعرق سنة ، والده يهون عليه السلامة مغنم ، والعافية مطلب ، والأبتعاد عن الشبهات مكسب . تسلم الرؤوس ، ولا تجز أو السجن . أن غضب الحاكم لا حدود له . نؤثر السلامة والحال خيراً من المال ، ولا قطع الرؤوس ، فقال الموظف: بالإيعاز للأبن عليك بأنصاف الليالي . فكرر والده نخرج سالمين ابرك من قطع الرؤوس أو السجن أو العطب المؤبد . خرجا وجلين من مبنى الناحية .
انصرام قرابة عام كامل أو أقل قليلاً . استدعيا بالصفة الرسمية من قبل الناحية من خلال شيخ القبيلة ، وحينما مثلا أمام أمير الناحية . ذكر أن كل ماذكره الأبن صحيح ، وأمر بتسليم المبلغ ، فقال الأمير: العذر والسموحة ما بدر من الناحية . أمن الحج لا صوت فوق صوته .استلم النقود كاملة دون نقص .
قال الأمير: عد نقودك قبل أن تغادر مكانك ..
قال الأب: مابعد الحكومة عد .
قال: عد النقود ، ولا تجادل الشيطان موجود مامت لا يفرق بين الحكومة وغيرها .
عد النقود كامله بالتمام .
قال الأمير: أمن الحج والحجيج خط أحمر ، وجل أهتمام الحكومة . نحد من الطماميع ، وقراصنة الحج ضعاف النفوس ونقلص من اختراقات أمن الحج ، والحد من ما ينغص الحجاج ، ومخفسانية السرقان ، وجل اهتمامات الملك أمن البلاد والحج . قفيا بالخروج استدعائهما الأمير .
قالا: خيراً أن شاءالله أيها الأمير .
قال: معكم مبلغ ليس بالقليل لا تعبثوا فيه اشتروا به دور حول مسجد أبن عباس أو حول الحرم المكي والنبوي . أصلح لكم ، وأجدى . شكراه على هذه النصيحة .
قال الأبن لوالده: نأخذ بمشورة الأمير فقال الأب: ” بيت ماهو في بلدك لا لك ، ولا لولدك ” لاشك اشتروا بها أبل وأغنام وخيول ، وتزوج بها الأبن وأخوانه ، معدد الزوجات ، وبنوا بها بيوت الخدور المروبعة وأقرضوا منها بعض أفراد عشيرتهم التي تأويهم ، وبعض المعارف ، ومن يعز عليهم . حفروا مورد ماء صدقة في سبيل الله في حشة الدفينة الشمالية الغربية ، وشكروا الله على هذه النعمة .
دام عزك ياوطن ، ودام عز القيادة الرشيدة ، ودام عز سلمانها سلمان الحزم خادم الحرمين الشريفين ، ودام عز ولي العهد الأمين محمد العزم رائد الرؤية المباركة نهضة شاملة متوازنة في كافة المجالات بين النواحي والمراكز .

شاركها

تعليق واحد

  1. قصة جميلة ورائعة بروعة الكاتب اتمنى لو ان يصدر لك كتاب يحوي جميع المقالات الجميلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى