لقد سبق وقوع معركة عين جالوت عام 1260م , الكثير من العوامل المباشرة وغير المباشرة والتي ساهمت في تحقيق النصر في معركة “عين جالوت” . فقبل (33) سنة تقريبا توفي جنكيز خان قاهر العالم في عام 1227م (المؤسس) , والذي أدى بدوره إلى تقسيم الأمبراطورية المغولية إلى أربعة خانات (ممالك) , وكان هذا بمثابة المسمار الأول في نعش الأمبراطورية المغولية , حيث بدأ كل خان يعمل بمعزل عن الممالك الأخرى (الصراع) , وأيضا بدأ زخم الهجوم المغولي على العالم يتلاشى شيئا فشيا , نتيجة لفشل الحملات المغولية في شمال الهند , والهند الصينية وشرق أسيا (اليابان , فيتنام , تايلند .. إلخ) , وأيضا تعرضهم لأكثر من هزيمة منكرة في أفغانستان وخوارزم وغيرها (الموارد البشرية) , ولا ننسى أن التمدد والتوسع الكبير للأمبراطورية المغولية وفي زمن قياسي , والذي كان بدوره أكثر من الإمكانيات المتاحة للمغول (الموارد) , وهو الداء الذي دائما ما كان سببا قي سقوط الأمبراطوريات (اليونانية , الرومانية , الفارسية , الإسلامية ، البريطانية .. إلخ) , ناهيك عن ضعف الاتصالات والمواصلات , ومع هذا التوسع تحول المغول إلى أقلية . لقد فاجأ المغول العالم بالتكتيكات العسكرية المبتكرة , والقوة المفرطة التي كانوا يستخدمونها بسبب الجهل والتخلف والانغلاق (البيئة) , على الطريقة الأمريكية (الصدمة والرعب) , والتي كانت تتم دائما عن علم ودراية ودراسة , ويحمل كل أبطالها وجنودها مؤهلات علمية عليا من أرقى الجامعات في العالم , وفي جميع التخصصات العلمية . ناهيك عن كون المغول قبائل همجية , لم تكن لديها حضارة أو حتى لغة مكتوبة , وبالتالي لم يكن لديهم مشروع (دولة) قابلة للحياة (الاستمرارية) ، بل مشروع نهب وسلب وقتل واغتصاب وتدمير . أما الأسباب المباشرة التي كان لها دور كبير في هزيمة المغول في عين جالوت . فكانت تتمثل أولا في (تصاريف القدر) التي يدبرها الله سبحانه وتعالى . لقد مات الخان الأكبر في منغوليا (قوبلاي خان) , وكان لا بد من ذهاب ملوك الخانات الأربعة المغولية (الممالك) , إلى منغوليا لاختيار الخان الجديد (الزعيم الروحي) , ونتج عن ذلك توقف الهجوم على أوروبا عند أسوار فيينا (النمسا) إلى الأبد , أما هولاكو فقد ذهب إلى منغوليا واصطحب معه نصف الجيش (20) ألف جندي ,
, وكلف القائد المغولي (كتبغا) والذي كان يطلق عليه لقب (جزار بغداد) , بقيادة ما تبقى من الجيش والتوجه به إلى مصر , إضافة إلى بضعة الآف من المرتزقة والخونة والعملاء ؟! , وكان عدد جيش المماليك أكثر من ذلك بكثير , هنا يأتي المدد من الله سبحانه وتعالى , لقد أسلم “بركة خان” ملك مملكة جوجي (القبيلة الذهبية) المغولية وحسن إسلامه , وبايع الخليفة العباسي “المستعصم بالله” . وقاد حروب الاستنزاف ضد إبن عمه (هولاكو) , انتقاما منه لما حصل للمسلمين في بغداد , وكان لذلك دورا كبيرا في إضعاف (هولاكو) , كأن لسان حال المسلمين قبل معركة عين جالوت يقول : إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدا (القضاء على الإسلام) . التكتيكات العسكرية المغولية التي فاجأت العالم وحققت نجاحا كبيرا (عنصر المفاجأة) , أصبحت معروفة لدى العالم وبالذات لدى القيادة العسكرية في الجيش الإسلامي , ناهيك عن المعلومات الاستخباراتية الثمينة التي حصلت عليها (التحركات , نقاط القوة والضعف .. إلخ) , من قبل المرتزقة والخونة والجواسيس . أيضا كان للجغرافيا دور كبير في ترجيح كفة المسلمين (سهل عين جالوت) , بدأت المعركة في شهر رمضان من عام 1260م , تمكن الجيش الإسلامي بقيادة القائد الميداني “بيبرس” من الصمود طويلا ثم التظاهر بالهزيمة (التراجع المدروس) , حتى تم استدراج كل الجيش المغولي إلى داخل السهل , ليخرج الجيش الإسلامي الأساسي من وراء التلال , ويتم إطباق الحصار عليه (الكمين) , ولكن مع ذلك في بعض ألأوقات من المعركة كاد المسلمون أن يتعرضوا إلى الهزيمة , لولا تدخل الملك “قطز” القائد العام للجيش الإسلامي ونزوله إلى الميدان بنفسه , ولكن قضاء الله نافذ ولا راد له , تم قتل القائد المغولي “كتبغا” , وتبع ذلك انهيار الجيش المغولي وإبادة أعداد كبيرة منه , ومن هرب منهم تمت مطارته حتى تم القضاء عليهم (الإبادة) . ولم ينجوا منهم إلا العشرات . , من نتائج معركة عين جالوت تحرير بلاد الشام من المغول , وبدء تحالف بين دولة المماليك والقبيلة الذهبية المغولية المسلمة (مملكة جوجي) . قريبا من سهل معركة عين جالوت , حصلت معركة اليرموك عام 15هـ , ولاحقا معركة حطين سنة 583هـ , والقاسم المشترك بينهما كان في كون هذه المعارك , كانت إيذانا ببدء العدد التنازلي لهذه الأمبراطوريات (الرومانية , المغولية , الصليبية) , وتحول هذه الأمبراطوريات من مرحلة الهجوم إلى مرحلة الدفاع , والأهم من ذلك كله أن معركة عين جالوت كسرت حاجز الخوف (الجيش الذي لا يقهر) , حقا إنها (الأرض التي باركنا حولها) . يبدو أن منغوليا في ذلك الحين كانت تضم خزان بشري هائل , ولكن يبدو أن هذا الخزان قد تلاشى , وقضي على جيل كامل منه في الحروب العبثية , كما هو الحال مع ألمانيا في الحرب العالمية الثانية , ناهيك عن الذين استقروا في البلاد التي قاموا باحتلالها , وقد انعكس ذلك على دولة منغوليا حاليا , لقد تحولت من خزان بشري إلى حظيرة للثروة الحيوانية (70) مليون رأس , في الوقت الذي لا يتجاوز فيه عدد السكان (3,5) مليون نسمة . بعد مضي أقل من شهرين من معركة عين جالوت , قام (الظاهر بيبرس) , بقتل (سيف الدين قطز) , وتولى السلطة بدلا منه ؟! , “مفيش فايدة” إنه الصراع على السلطة (شهوة الخكم) بين المماليك (البحرية والبرجية) , وبدوره تم قتل الظاهر بيبرس بالسم وهكذا دواليك ؟! . هذا الداء العضال الذي عجل بسقوط الأمبراطوريات والممالك عبر التاريخ وبالذات الممالك الإسلامية . اخيرا إن الأمة الإسلامية مهما كانت عليه من ضعف ، فإنها يمكن أن تقلب الطاولة وتحقق النصر ، ولكن التكلفة تكون مضاعفة .
بقلم _ فوزي محمد الأحمدي
أضواء الوطن
- 29/01/2026
- 338871
شاركها
-
كل عام والوطن بخيرمنذ 4 ساعات
-
سعودي وأفتخر
ما شاء الله الله يوفقه نموذج يحتذى به لقوة الإرادة....
-
فيصل الغامدي
امتناني وتقديري....
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
-
الاعلامي رشيد البلوي
كتبت فأجدت بورك في قلمك...
أخبار المجتمع
-
أمين سر جمعية الصحافيين الكويتية يحتفل بزفاف نجله «محمد»منذ أسبوع واحد














