من البديهي لنا كبشر نعيش على كوكب الأرض هو أننا ندرك و نعلم تماما بأن تحقيق الأمنيات لا يتم وفقا للقانون الدولي لحقوق الإنسان كما وأنه لا يخضع للأنظمة المتعلقة بإدارة الأعمال و شئون الأفراد العاملين فحسب، و إنما يتم تحقيق الأماني بالدرجة الأولى وفقا لقانون السماء, للقانون الإلهي المنصوص عليه في الكتب السماوية لعصر الإسلام و عصور ما قبل الإسلام، إذ أن كل المخلوقات و منذ نشأتها و تواجدها على الأرض لم يكن يتحقق لها أي من الأمنيات و الرغبات إلا بالسعي و الحركة و بذل الجهد البدني و العقلي حتى لحظة الوصول الى الهدف المنشود الذي تسعى جميع المخلوقات لتحقيقه من خلال العمل الدؤوب و السعي الحثيث والمثابرة و الصمود حسبما جاء في قوله تعالى: ” هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًا فَٱمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِۦ ۖ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ”، بمعنى أن الله وحده هو الذي جعل لكم الأرض سهلة ممهدة تستقرون عليها، فامشوا في نواحيها وجوانبها، وكلوا من رزق الله الذي يخرجه لكم منها، كما ورد في التفسير الميسر.
وانطلاقا من هذه الآية الكريمة نفهم أن الإنسان و الحيوان وكل المخلوقات الأخرى بما فيها تلك المخلوقات المتناهية الصغر تسعى جميعا لتحقيق أمنياتها عبر مراحل مختلفة من البحث و التحري و التقصي والتحمل و المثابرة و مجابهة التحديات والتغلب على الصعوبات و الصمود أمام الإضطرابات والنزاعات والثورات والصراعات التي قد تؤثر على معدلات الصبر و الإصرار والعزيمة خلال مسيرة تحقيق الأمنيات كما ذكرت في مقال بعنوان ” أحداث متسارعة و أمواج متلاطمة”.
و على سبيل المثال و بينما كنت جالسا في أحد الأماكن العامة للتأمل و التدبر، فقد شاهدت نملة صغيرة تتكبد عناء البحث و مشقة السعي في الحصول على ما يسد رمقها و يشبع رغبتها رغم وعورة الطريق و صعوبة اجتياز الحفريات والحواجز والمنعطفات الحادة، و رغم أن لقمة العيش كانت تبدو أكبر حجما من النملة ذاتها، تلك النملة الصغيرة في حجمها و القوية بإرادتها و عزيمتها في مواجهة التحديات والصعوبات، إلا أنها أظهرت إصرارا وكفاحا و عزيمة قوية لإكمال رحلتها من أجل البقاء على قيد الحياة لأطول فترة ممكنة .
وبالرغم من وقوفي أمامها لتصوير مراحل البحث و التنقل و الصمود أمام التحديات، إلا أن هذه النملة الصغيرة قد أثارت اهتمامي و لفتت انتباهي لصمودها أمام العواصف العاتية و الأوضاع المضطربة و الطرق الوعرة في سبيل توفير لقمة العيش المحفوفة بالمخاطر. فسبحان الله الذي أودع في جميع مخلوقاته كل العناصر الأساسية للمساعدة على توفير مقومات الحياة و تهيئة سبل العيش لأجل أن تتمكن هذه المخلوقات من البقاء على كوكب الأرض حتى الرمق الأخير والأجل المحتوم.
من هذا المثال نعلم و ندرك بأن الأهداف التي يتمنى الإنسان تحقيقها لن تتهيأ له ما لم يكن لديه الإصرار و العزيمة و الإرادة للوصول الى أهدافه وتحقيق أمنياته رغم ما قد يتعرض له هذا المخلوق أو ذاك من عمليات قد تصل الى حد الإبادة الجماعية كما يحدث اليوم في الأراضي العربية المحتلة وتحديدا في قطاع غزة، ومثلما تتعرض له أيضا مخلوقات أخرى متناهية الصغر من عمليات الإبادة بالمبيدات الحشرية وبالتالي سلب حقوقها في تقرير مصيرها على الأرض التي خلق الله عليها جميع الكائنات البشرية و غير البشرية وهيأ لها سبحانه كل الظروف المناسبة لتحقيق الأمنيات و الرغبات بعيدا عن المؤامرات وانتهاكات القانون السماوي و القانون الدولي لحقوق البشر كما أشرت في مقال بعنوان ” سياسة التهويد والتجويع و التشريد” .
لم أكن أرغب حقيقة بالعودة الى الكتابة الصحفية لولا مشاهدتي لمعاناة هذه النملة الصغيرة التي قطعت مسافات طويلة و عسيرة عبر دروب محفوفة بالمخاطر لأجل الوصول بلقمة العيش التي تحملها بين فكيها الى مكان آمن تعتقد بأنه لا يهدد حياتها و يثبط عزيمتها و يكسر إرادتها في الصمود أمام كل التحديات والتعديات.
وأخيرا أعتقد أنه ينبغي على الإنسان أن يتحلى بالصبر و يبذل كل جهد ممكن دون أن يستسلم للظروف و الهموم و الصعاب التي قد تعترض مسيرته في الحياة على كوكب الأرض كما أوضحت في مقال بعنوان ” الشعور القاسي والصبر على المآسي”.
تُـحَـاصِرنِي الـهـموم وَمـا لـدِي لَـهَـا سِـلَاَح
سِـوَى الـصّـبْر الَّذي أَرَاهُ يُـقدم ثُــمَّ يَـنْدَحِر
تُـحَاصِرنِي وَ مَـخْزُون صَـبْري عـلَيْها ينضب
حَتَّـى تَـمَنيت لَو أَنَّ لِـلصَّبْر إِسْـنَاد فَـأَنْتَصِر
هـجُـوم الـهـمـوم يَــدك حُـصُـون صَــبْـري
و يَـبْـقَـى أَمَـام الْـعَــدُوّ أَلــغَــام سَـتَـنْـفَجر
بِالصَّبْر والـصَّلاة أستعين على الصُّمود بِقوَّة
أَمَـلا بِـأَن يَـكون الـصَّبْر هُـوَ الْـحَلِيف الأكْبَر
وَفي حَال اِنْسِحَاب الصَّبر من عَهْد التَّحَالُف
فَـإِنَّمَا إرادة الـصُّمُود حَـتْما سَــوْف تَـنْكَسر














