في مفاصل التاريخ الكبرى، لا تسقط الدول فجأة، بل تتهاوى حين يغيب الرجال القادرون على اتخاذ القرار في اللحظة الحرجة. وفي واحدة من أخطر تلك اللحظات التي مرّت بها اليمن، برز اسم المقدم السعودي محمد الزهراني، قائد القوة 702، كعنوان للشجاعة والوفاء للمسؤولية، حين وقف وحيدًا تقريبًا في مواجهة مخطط كاد أن يفتح أبواب الفوضى على مصراعيها.
لم تكن الواقعة مجرد حادثة أمنية عابرة، بل لحظة فاصلة بين استقرار هشّ وانهيار شامل. فاستهداف رأس الدولة في تلك المرحلة الحساسة لم يكن ليعني تغييب شخص فقط، بل نسف ما تبقى من توازن سياسي وأمني في بلد أنهكته الحرب. هنا، لم يتردد المقدم محمد الزهراني، ولم يختبئ خلف الحسابات أو التعليمات الرمادية، بل أعلن موقفه الواضح والحاسم، مجسدًا المعنى الحقيقي للقَسَم العسكري.
عبارته التي ستبقى محفورة في الذاكرة: «لن تُخطفوا الرئيس إلا على جثتي» لم تكن تعبيرًا عاطفيًا، بل موقف دولة اتخذه ضابط أدرك أن تراجعه في تلك اللحظة سيقود اليمن إلى سيناريو بالغ الخطورة، ويعيد رسم المشهد السياسي بدماء جديدة. لقد كان يدرك تمامًا أن الشجاعة هنا ليست في استخدام السلاح، بل في منع استخدامه، وفي قطع الطريق على مشروع يهدد الشرعية والاستقرار معًا.
من هذا المنطلق، جاء تكريم الدكتور رشاد العليمي، رئيس الجمهورية اليمنية الشقيقة، للمقدم محمد الزهراني بوسام الشجاعة كتتويج مستحق لموقف يتجاوز حدود الواجب العسكري التقليدي. إنه اعتراف رسمي بأن ما قام به الرجل لم يكن حماية شخص، بل حماية وطن بأكمله من مصير مجهول، وحفظ توازن دقيق كان يمكن أن ينهار خلال دقائق.
إن شجاعة المقدم محمد الزهراني تعيد تعريف البطولة في زمن الاضطرابات؛ بطولة لا تبحث عن الأضواء، ولا تنتظر التصفيق، بل تظهر عندما تكون الكلفة عالية، والاختيار صعبًا، والعواقب جسيمة. في مثل هذه اللحظات، تُصنع الدول أو تُهدم، ويُعرف معدن الرجال.
سيذكر التاريخ أن اليمن، في واحدة من أحلك لحظاته، نجا لأن رجلًا قرر أن يقف في المكان الصحيح، في الوقت الأصعب، وأن يقول “لا” عندما كان قولها يعني المخاطرة بكل شيء. هكذا تُكتب البطولات الحقيقية، وهكذا تبقى أسماء الرجال الأوفياء حاضرة حين تغيب التفاصيل.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل شجاعة المقدم محمد الزهراني عن المدرسة الوطنية التي ينتمي إليها، فالمملكة العربية السعودية كانت وما تزال تنجب الرجال الأوفياء الذين يحملون قيم المسؤولية والشرف، ويقفون بثبات مع قضايا الاستقرار والشرعية، مؤكدين أن المواقف العظيمة هي نتاج تربية وطن قبل أن تكون شجاعة فرد















