لم تَعُد الأزماتُ التي يشهدها الشرقُ الأوسطُ مجرَّدَ أحداثٍ مُتفرِّقة، بل أصبحت تعبيرًا عن مسارٍ مُعقَّدٍ تُعادُ فيه صياغةُ المشهد الإقليمي عبر مشاريعَ تستهدفُ زعزعةَ الاستقرار وضربَ العُمق الاستراتيجي للدول. وعند قراءةِ الأحداث في تسلسلها، يتَّضح أن ما يجري ليس عفويًّا، بل يقوم على سيناريو واحدٍ تتغيَّرُ فيه الساحاتُ بينما تبقى الأهدافُ ثابتة.
ومن ضمن هذه المشاريع الخطيرة، السعيُ إلى تحويل الجيوش العربية من مؤسساتٍ وطنيةٍ نظامية إلى المليشيات المأجورة ، لا تنتمي إلى عقيدةٍ وطنية، ولا تستند إلى انتماءٍ ديني أو وطني، بما يُفرغ مفهوم الدولة من مضمونه، ويجعل السلاح أداةً للفوضى بدل أن يكون ركيزةً لحماية السيادة والاستقرار.
وفي خِضَمِّ هذا المشهد، تبرزُ المملكةُ العربيةُ السعودية بوصفها دولةً تقرأُ التحوُّلات بوعيٍ استراتيجي، وتُدركُ أن أمنَها لا ينفصلُ عن أمنِ محيطها العربي والإسلامي. هذا الإدراكُ جعلها تتعاملُ مع الأزمات بمنهجٍ مُتَّزن، بعيدًا عن ردودِ الفعل، وقائمًا على الاستباق وحماية الاستقرار.
وبقيادةِ خادمِ الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وسموِّ وليِّ عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ـ حفظهما الله ـ انتهجت المملكةُ سياسةً تجمعُ بين الحكمةِ والحزم، ووقفت في وجه المشاريع التي تسعى إلى التقسيم أو العبث بالعُمق الاستراتيجي للمنطقة. وقد مثَّلت الأزمةُ اليمنية نموذجًا واضحًا لمحاولات تحويل دولةٍ عربية إلى ساحةِ صراع ضمن مُخطَّطٍ أوسع، يمتدُّ أثرُه إلى أكثر من ساحةٍ إقليمية.
غير أن المملكة، بما تمتلكه من وعيٍ سياسي ومسؤوليةٍ تاريخية، استطاعت أن تواجه هذه التحديات، وأن تُحدَّ من تداعياتها، انطلاقًا من قناعةٍ راسخةٍ بأن استقرارَ المنطقة هو خطُّ الدفاع الأوَّل عن أمنها ومستقبل شعوبها.
ختامًا، فإن الدورَ السعودي لا يمكن النظرُ إليه كموقفٍ عابر، بل هو خيارٌ استراتيجيٌّ ثابت، يعكسُ رؤيةً عميقةً لحماية العُمق الاستراتيجي للمنطقة، وترسيخِ التوازن الإقليمي، في وقتٍ تتزايدُ فيه محاولاتُ نشر الفوضى وزعزعةِ الاستقرار














