/
/
حكمة المملكة العربية السعودية في الملف اليمني

حكمة المملكة العربية السعودية في الملف اليمني

Picture of بقلم _ عبدالحميد سعيد المالكي

بقلم _ عبدالحميد سعيد المالكي

قراءة في خطاب الأمير خالد بن سلمان ورسائل الدولة الهادئة

في زمن تتكاثر فيه القراءات المتعجلة وتعلو فيه أصوات الاختزال، يأتي الخطاب السعودي تجاه اليمن ليعيد التذكير بمنطق الدولة حين تواجه أزمات معقّدة. خطاب سمو الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي، لم يكن مجرد استعادة لمسارٍ سابق، بل تأكيدًا على ثوابت سياسية وأخلاقية شكّلت جوهر التعاطي السعودي مع واحدة من أكثر الأزمات الإقليمية تشابكًا. خطاب حمل رسائل واضحة لليمنيين، وللمنطقة، مفادها أن المملكة لا تدير الأزمة بردود الأفعال، بل برؤية طويلة النفس تضع استعادة الدولة اليمنية واستقرارها في صدارة الأولويات.

اليمن… قضية دولة لا ساحة صراع

من النقاط المركزية في خطاب الأمير خالد بن سلمان التأكيد على أن القضية اليمنية، في نظر المملكة، قضية سياسية عادلة لا يجوز اختزالها في أشخاص أو جماعات، ولا توظيفها في صراعات جانبية تُفرغها من مضمونها الوطني. هذا التوصيف يعكس إدراكًا سعوديًا مبكرًا بأن جوهر الأزمة لا يُحل بتبديل الوجوه، بل بإعادة الاعتبار لفكرة الدولة اليمنية وسيادتها الكاملة على أراضيها.

اعلان

فالمملكة، حين استجابت لطلب الشرعية اليمنية وقادت تحالف دعم الشرعية عبر عمليتي عاصفة الحزم وإعادة الأمل، لم تنطلق من منطق المغامرة، بل من مسؤولية إقليمية تهدف إلى منع سقوط اليمن في قبضة الفوضى والمشاريع التي تهدد أمنه وأمن جواره.

من الميدان إلى السياسة: مسار متكامل لا متناقض

يشير الخطاب بوضوح إلى أن تحرير المحافظات الجنوبية شكّل محطة مفصلية في مسار استعادة الدولة، لكنه لم يكن هدفًا بحد ذاته، بل خطوة ضرورية لتهيئة بيئة أكثر قابلية للحل السياسي. هنا تتجلى الحكمة السعودية في الربط بين العمل الميداني والهدف السياسي، دون الوقوع في فخ عسكرة الأزمة إلى ما لا نهاية.

هذا الفهم هو ما دفع المملكة إلى الانتقال بثقلها نحو المسار السياسي، إدراكًا منها بأن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بتوافق وطني واسع يعالج جذور الأزمة، لا مظاهرها فقط.

مؤتمر الرياض واتفاقه… الحوار بديلاً عن السلاح

ضمن هذا الإطار، استحضَر الأمير خالد بن سلمان مؤتمر الرياض بوصفه محطة جامعة لكافة المكونات اليمنية، وركيزة أساسية لوضع مسار واضح نحو حل سياسي شامل، بما في ذلك معالجة القضية الجنوبية. فالمملكة لم تتعامل مع هذه القضية بوصفها ملفًا مؤجلًا أو هامشيًا، بل جزءًا أصيلًا من أي تسوية عادلة ومستدامة.

وجاء اتفاق الرياض ليترجم هذا التوجه عمليًا، عبر ضمان مشاركة الجنوبيين في السلطة، وفتح الطريق أمام حل عادل لقضيتهم من خلال الحوار والتوافق، لا عبر فرض الأمر الواقع أو اللجوء إلى القوة. وهي رسالة تعكس قناعة راسخة بأن الشراكة السياسية هي الضامن الوحيد لوحدة اليمن واستقراره.

دعم شامل… ومسؤولية لا تبحث عن مكاسب

ما يميّز الخطاب السعودي، كما عبّر عنه الأمير خالد بن سلمان، هو التأكيد على أن دعم المملكة لليمن لم يكن عسكريًا فقط، بل شمل الجوانب السياسية والاقتصادية والتنموية والإنسانية. هذا الدعم المتعدد الأبعاد أسهم في تخفيف معاناة الشعب اليمني، وتعزيز قدرته على الصمود في وجه ظروف قاسية فرضتها سنوات الصراع.

وفي هذا السياق، شدّد الأمير على أن تضحيات المملكة وشركائها في التحالف لم تكن من أجل خلق صراعات جديدة أو تحقيق مكاسب ضيقة، بل من أجل استعادة الدولة اليمنية وحماية أمن اليمنيين جميعًا، دون تمييز أو استثناء.

خاتمة: خطاب دولة لا ينافس الضجيج

خطاب الأمير خالد بن سلمان ليس خطاب لحظة، بل خطاب مسار. هو تعبير عن رؤية دولة تدرك أن اليمن ليس ساحة استعراض سياسي، بل مسؤولية تاريخية وأمنية وإنسانية. وفي زمن يعلو فيه الضجيج، تفضّل المملكة العربية السعودية أن تترك للأفعال المتراكمة أن تتحدث، وللسياسة الهادئة أن تشق طريقها بصبر.

قد لا تكون هذه المقاربة سريعة النتائج، لكنها الأكثر قدرة على الصمود. وفي ملف معقّد كاليمن، تبقى الحكمة السعودية — كما يعكسها هذا الخطاب — رهانًا على الدولة، وعلى المستقبل، وعلى سلامٍ يُبنى بالعقل قبل القوة، وبالحوار قبل السلاح.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى