بعد نحو عقدين ونصف من العشق والارتباط بمهنة المتاعب، وبعد مسيرة حافلة بين زوايا التحرير وقاعات المؤتمرات وميادين المراسلة، أعلن اليوم بعد تفكير عميق جداً قراري الذي طالما داعب خيالي منذ فترة بأنني سأعتزل عالم الكتابة بشكل نهائي. وقد أفكر بشكل ما في التحول إلى عالم التصوير، ولربما يبدو هذا التحول جذرياً لشخص قضى زهرة شبابه يطارد الحقيقة خلف أسطر المقالات، لكنها رحلة تفرضها ضرورات التقدير والواقع وشغف جديد ينمو في داخلي.
طوال هذه السنوات التي أمضيتها مع مداد الحبر، لمستُ حقيقة مرة؛ فالجهد الفكري والعصف الذهني الذي يُبذل في كتابة مقالة متعمقة أو تحقيق صحفي أو حتى عمود رأي يومي لم يعد يحظى بالاهتمام والتقدير والمتابعة اللائقة كما كان في الماضي.
وفي المقابل، عندما بدأتُ بخطوات متواضعة في مجال التصوير، سواء بتوثيق مناسبات اجتماعية أو التقاط صور شخصية أو حتى بإنتاج وتقديم برامج شعبية عبر القنوات الفضائية، كانت النتائج سريعة ومختلفة تماماً. حققتُ شهرة أوسع وانتشاراً أسرع بكثير مما حققته في عشرين سنة من الكتابة. حصلتُ على مقابل مادي جيد يقدّر حجم الجهد الفني والتقني الذي أبذله، وبنيتُ علاقات واسعة وأكثر فعالية مع شرائح أكبر وأكثر تنوعاً من المجتمع، حيث يُصبح تقدير “أتعاب” العدسة أعلى بكثير من تقدير “أتعاب” القلم.
وفي ظل هذا الواقع الجديد الذي تهيمن فيه الصورة على المشهد الإعلامي، أجدني مدفوعاً نحو المجال الذي يُقرّ أتعابي ويمنحني المقابل العادل، سواء كان مادياً أو اجتماعياً. قرار الاعتزال ليس هروباً، بل هو تفرغ لفن التصوير وفنونه، إذا كتب الله لي ذلك. سأستثمر خبرتي الطويلة في فهم القصص والروايات، لكن هذه المرة سأرويها عبر الإطار وزاوية الكاميرا، فالتصوير ليس مجرد التقاط ضوء، بل توثيق اللحظات، حفظ الذاكرة الجماعية والفردية، وإيصال رسالة قوية تتجاوز حاجز اللغة، والحصول على رد فعل فوري من الجمهور. لذا أدعوكم لمتابعة رحلتي الجديدة خلف العدسة.
شكراً للصحافة التي علمتني الدقة والموضوعية والبحث عن الجمال في التفاصيل، وشكراً للقراء الكرام الذين دعموني خلال تلك الفترة الماضية، وهنا أخص بذلك زملاء القلم وأسرة التحرير، وعلى رأسهم رئيس تحرير صحيفة أضواء الوطن الأستاذ بشير الرشيدي ونائب رئيس التحرير الأستاذ عبدالهادي الرويثي ومدير التحرير الأستاذ علي مرزوق الشدادي، ها أنا سأحاول أن أبدأ فصلاً جديداً حيث تكون فيه الكاميرا قلمي الجديد والصورة مقالتي الجديدة.
بقلم الكاتب: عائض الشعلاني.














