/
/
بين القوة والخوف: المرأة كما هي… والرجل كما يرى

بين القوة والخوف: المرأة كما هي… والرجل كما يرى

Picture of صالحة السريحي

صالحة السريحي

لطالما كانت القوة صفة يُحتفى بها، لكنها أحيانًا تتحول إلى مساحة يكثر حولها الجدل حين تتجسد في امرأة. فحين تظهر المرأة القوية، تلك التي تعرف قيمتها، وتعي تمامًا ما تريد وما لا تريد، يبدأ السؤال الذي يتكرر بصوت خافت أو معلن: هل يخاف الرجل حقًا من قوة المرأة، أم أن هذا الخوف ليس إلا انعكاسًا لصورة نمطية قديمة ما زالت تسكن تفاصيل المجتمع؟

المرأة القوية ليست ذلك النموذج الصاخب في الظاهر؛ بل هي التي تصون كرامتها دون صراع، وتحفظ مبادئها دون ضجيج، وتتحرك في الحياة بثقة مصدرها الداخل لا الخارج. قوة المرأة لا تتعلق بارتفاع صوتها، بل بثباتها، ولا تُقاس بحجم حضورها، بل بقدرتها على ألا تنكسر حين تشتد الظروف. وربما هنا تحديدًا يبدأ الرجل في مواجهة مرآته الحقيقية، فبعض الرجال لا يخافون من قوتها بقدر ما يخافون مما تكشفه هذه القوة داخلهم.

فالمشكلة ليست في المرأة، بل في الإرث الاجتماعي المتراكم الذي رسم صورة محددة لهيبة الرجل، وأخرى لضعف المرأة، وعلّم الأجيال أن القوة صفة ذكورية قبل أن تكون إنسانية. لذلك، حين تظهر امرأة تسير في الحياة واثقة بقدر ما هي لطيفة، صلبة بقدر ما هي مرنة، فإنها لا تهز معايير الرجولة ذاتها، بل تهز الصورة النمطية التي نُصبت أمامها لعقود طويلة. كثير من المخاوف التي تُنسب للرجل ليست خوفًا من المرأة، بل خوفًا من سقوط الدور النمطي الذي اعتاد عليه.

مع ذلك، ليس كل الرجال سواء. هناك رجال يرون القوة جمالًا إضافيًا في المرأة، لا تهديدًا، بل مساحة للحوار والشراكة، ورؤية أكثر نضجًا للحياة. رجلٌ يفهم أن قوة المرأة لا تنتقص منه، بل تفتح أمامه بابًا أكبر ليكون صديقًا وشريكًا وندًا في القرار. هؤلاء لا يبحثون عن امرأة تُملي عليها الأيام ضعفًا مصطنعًا، بل امرأة تقف بجانبهم بثبات، لأنهم لا يخشون أن يشاركوا الضوء بدل احتكاره.

وفي المقابل، ما زال هناك من يرى أن قوة المرأة تضعه في مواجهة ما لم يتعلم التعامل معه. فهو يريد امرأة تعتمد عليه، لا امرأة تستطيع أن تقف وحدها. يريد أن يكون المنقذ، لا الشريك. وفي هذه الثنائية، لا تظهر مشكلة المرأة القوية، بل مشكلة الرجل الذي ينظر إليها بعين الصورة التي ورثها، لا بعينه الحقيقية.

اعلان

التاريخ يروي قصصًا لا تنتهي عن نساء حملن من القوة ما يكفي لبناء أجيال وهدم عواصف، وعن رجال أدركوا أن القوة لا تُقاس بالقدم التي تتقدم، بل بالعقل الذي يتسع والقلب الذي يفهم. والقوة في العلاقات، إن لم تُفهم، تتحول لصراع؛ وإن فُهمت جيدًا، تصبح سندًا. فالمرأة القوية لا تطلب من الرجل أن يتخلى عن دوره، بل أن يتخلى عن مخاوفه، وأن يرى العلاقة مساحة للنضج، لا ساحة صراع.

وقوة المرأة لا تظهر في المواقف الكبرى فقط، بل في تفاصيل الحياة اليومية: في صمتها الذي يُفهم، وفي قرارها الذي يُتخذ بلا تردد، وفي صبرها على الأشياء حتى تتضح، وفي قدرتها على أن تكون واقفة حتى حين تتعب. كل هذه القوة تختبر الرجل قبل أن تختبر العلاقة. فهي تكشف مدى وعيه، ومدى تصالحه مع نفسه، ومدى قدرته على قبول امرأة لا تحتاجه لتعيش، لكنها تريده ليكتمل معها معنى الشراكة.

وبين القوة والخوف مساحة واسعة لا يرى تفاصيلها إلا من يتحرر من حكم المجتمع. المرأة القوية، في حقيقتها، لا تهدد الرجل الذي يعرف نفسه، بل تكشف الرجل الذي لم يكتشف بعد أين يقف. والخوف الذي يُقال إنه موجه نحوها، ليس سوى ظلّ لصورة نمطية لم تعد تناسب زمنًا يتغير كل يوم.

لهذا، حين تظهر امرأة قوية لا تخلخل توازن الحياة، بل تخلخل التوقعات القديمة. وعندما يقف رجل أمام قوتها، فهو لا يقف أمام امرأة فقط، بل أمام مرآةٍ تُظهر مقدار وعيه، ومدى استعداده لأن يرى الإنسان كما هو… لا كما صُوّر له.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى