في عصر تكثر فيه التحديات وتتزعزع فيه الطمأنينة في العديد من أرجاء العالم، تبرز المملكة العربية السعودية كواحة أمن وسكينة، فبينما يعاني البعض من ويلات انعدام الأمن والاستقرار، ينعم المواطن والمقيم على أرض المملكة بحياة مطمئنة، يخرج ويدخل فيها آمنًا على نفسه وأهله وماله. هذه النعمة العظيمة ليست وليدة الصدفة، بل هي ثمرة رؤية حكيمة وتخطيط استراتيجي، أساسه التمسك بشرع الله والاهتداء بالكتاب والسنة، وقلبه خدمة الحرمين الشريفين.
العقيدة: الأساس الراسخ للأمن الشامل
يمثل التزام المملكة العربية السعودية بمنهج الإسلام القويم، المستند إلى القرآن الكريم وسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حجر الزاوية في سياساتها. هذا المنهج لا يقتصر على الجانب التعبدي فحسب، بل يمتد ليشكل نسيجًا متكاملاً للمجتمع، تُبنى عليه العلاقات، وتُسن القوانين، وتُرسى قيم العدل والمساواة والرحمة. فشرع الله جاء لتحقيق مصالح العباد ودفع المفاسد عنهم، ومن أعظم هذه المصالح: حفظ النفس والعقل والمال والعرض والدين. ومن هذا المنطلق، عملت الدولة – أيدها الله – على ترجمة هذه المقاصد إلى واقع ملموس، يحفظ للمواطن كرامته ويضمن له حياة كريمة.
خدمة الحرمين: شرف يُترجم إلى مسؤولية عالمية وعلمية
إن شرف خدمة الحرمين الشريفين ليس مجرد لقب، بل هو مسؤولية تتحملها القيادة بكل إخلاص. وقد تجلت هذه الخدمة في أكبر توسعات تاريخية لاستيعاب ملايين الحجاج والمعتمرين، وتوفير أرقى الخدمات لهم بأعلى معايير الأمن والراحة، تحقيقًا لقوله تعالى: “أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ” (العنكبوت: 67). وهذا الأمن الذي يحيط بالحرمين هو جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن الشامل التي تنعم بها المملكة.
لكن رسالة الحرمين تمتد لتشمل رسالة علمية عالمية؛ فهما منارة للعلم عبر العصور. وتستثمر المملكة هذا الإرث من خلال دعم العلم الشرعي عبر جامعات كأم القرى والجامعة الإسلامية، ومراكز البحث العالمية التي تجعل من الحرمين مركز إشعاع فكري، والمؤتمرات العلمية الدولية التي تحتضنها أرض الحرمين. وهو ما يجعل المملكة قلبًا نابضًا للأمة ووجهة للقلوب والعقول معًا.
ثمار الرؤية: أمن وسلام وازدهار
نتيجة لهذا الأساس المتين، أنعم الله على المملكة بنعمة الاستقرار التي تعد من أعظم النعم، وهو ما تجسد في احتلال المملكة العربية السعودية للمرتبة الأولى عربيًا والعاشرة عالميًا في مؤشر الأمن والأمان وفقًا لتقرير “الرؤية العالمية للتنافسية للسياحة والسفر” الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum)، وذلك لعام 2023. وهذا التصنيف ليس مجرد رقم، بل هو تعبير عن واقع يعيشه المواطن والمقيم في شوارع المملكة ومدنها وقراها.
فالأمن في المملكة لا يقتصر على السلامة من المخاطر الأمنية فحسب، بل يشمل منظومة متكاملة من الأمن الغذائي، والصحي، والاجتماعي، والاقتصادي. مشاريع الرؤية الطموحة 2030 تهدف إلى بناء وطنٍ يكون المواطن فيه محور التنمية، من خلال توفير فرص التعليم النوعي، والراعاية الصحية المتقدمة، والوظائف المستدامة، والبيئة الحضرية الملائمة. كل ذلك يجري في إطار الحفاظ على الهوية الإسلامية الأصيلة وقيم المجتمع السعودي الأصيل، مما يخلق حلقة متكاملة من الأمن والسلام والازدهار.
الحفاظ على النعم: مسؤولية جماعية
إن هذه النعم الجليلة – من أمن، وعافية، وطمأنينة، وخدمة للحرمين – تفرض على الجميع مسؤولية شكر المنعم سبحانه وتعالى، والحفاظ على هذه المكاسب. الشكر يكون بالاعتراف بالنعمة، واستخدامها في طاعة الله، والعمل على حفظها وتعزيزها. وهو ما يتجسد في تعاون المواطن مع الأجهزة الأمنية، وحرصه على الممتلكات العامة، وإسهامه في بناء المجتمع.
في الختام، تبقى المملكة العربية السعودية نموذجًا فريدًا يجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين التمسك بثوابت الدين ومواكبة متطلبات العصر. نعمة الأمن والاستقرار التي تنعم بها هي درع منيع بُني على أساس من الإيمان، ووُضع في خدمة أعظم مقدسات الأمة. فالحمد لله أولاً وآخرًا على هذه النعم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، الذي أرسله الله رحمة للعالمين. ونسأل الله أن يديم على هذه البلاد المباركة أمنها وإيمانها، وأن يوفق قادتها لكل خير، وأن يحفظها راسخة شامخة في خدمة الإسلام والمسلمين.














