/
/
“السائح الأجنبي وابن البلد”

“السائح الأجنبي وابن البلد”

Picture of عائض الشعلاني

عائض الشعلاني

في كثير من المدن والمواقع السياحية في مملكتنا الغالية، ترى العناية تُساق للسائح الأجنبي سوقًا وكأنه من كوكب آخر. يُستقبل ببشاشة وابتسامات تشق الوجه، ويُرشد بلغة يفهمها، وتُبسط له الأدوات جميعها، وتُفتح له الأبواب على مصراعيها دون أن يدفع من جيبه ريالاً أو دولاراً واحداً لأغلبهم، وكأننا نحاول جاهدين أن نُبهِره ونُلفت انتباهه، حتى لو لم يُبهرنا هو بشيء أو لا يهتم أصلاً بنا إلا على مضض.

في المقابل، وفي الطرف الآخر، يقف ابن البلد المحب الصادق ذو الولاء والوفاء لبلاده الغالية على هامش المشهد، لا يُهتم لوجوده أحد، ولا يجد لافتة ترشده، ولا دليلاً يستقبله، ولا تسهيلاً يليق بانتمائه وهويته. وفوق ذلك، يدفع من ماله فوق المستحق، ويسأل ويبحث ويتوه هنا وهناك، ولا يكترث له أحد حتى العاملون من الوافدين. ثم يصل بعد عناء إلى ما يُريد وقد أنهكه التعب، وأرهقته تلك النظرات المريبة وكأنهم يقولون: “ويش جابه ذا؟”

بعضهم يبرر هذا التناقض بأننا نخدم “السياحة” و”نُحسن صورة الوطن”. وآخرون يذهبون أبعد فيسمون ذلك “كرمًا عربيًا”. وابن البلد عارف البير وغطاها، والتساؤل هنا: هل الكرم يكون بالتنازل عن الكرامة باسم الكرم الحاتمي للأجنبي؟ وهل حسن الضيافة يكون بإهمال أهل الدار، والذي هو أولى من هذا الزائر الذي يرانا بعين نقيصة؟ فالأعجمي، يا سادة يا كرام، مهما بسطنا له الأرض ورداً، لا يرى فينا سوى قوم لا يعرفون للمال قيمة وقدراً، ويسفهون أفكارنا، ويرون فينا أننا أغبياء وسُذج سهل الضحك علينا بكلمتين فارغتين. تأخذ منه ما تريد، فنحن في نظرهم مغفلون. “كإختلاف ثقافات بيننا، نحن في وادٍ وهم في وادٍ آخر، ويستهلك منا ما نمنحه إياه، ويذهب دون أن يشعر بالامتنان، بل لربما عاد ليحكي عن “سذاجتنا” لا عن “كرمنا”. فهم يرون الكرم منا غباءً وعدم تقدير للمال، فيعتقدون أننا نحصل عليه بسهولة، فلذلك ننفقه ونضيعه بسهولة، لأنهم يرون هدره في غير موضعه، وهو كذلك.

نحن عندما نزورهم في بلدانهم، يقابلوننا بالحواجز والغرامات والقيود والتفتيش، ونبقى في دائرة الاتهام حتى نغادر بلدانهم. حتى الدول العربية لا تجد من يسألك عن حالك ومآلك، وهل أضعت الطريق، بل قد تجد منهم من يتمنى أن تعود أدراجك إلى بلادك غير مرحب بك، والسبب أنهم يرون أبناء بلدهم أولى في كل شيء، نعم في كل شيء، بينما نحن العكس تمامًا.
بل كأنني قرأت ذات يوم أن لديهم قاعدة غير مكتوبة للعامة تقول العبارة: “اخدم القريب، ووازن في تعاملك مع الغريب”، حتى أن بعض الشعوب لا يمنعها عنك إلا خوفاً من الأمن لديهم، وإلا ستكون في خبر كان.

ما نحتاجه هو أن نبدأ بأنفسنا، أن نُعلي من شأن السائح المحلي ونهتم به، والزائر من أبناء القبائل والمدن المجاورة، وأن نُيسر له الطريق ونُعفيه من المعاناة التي لا يستحقها، ليس لأنه ضعيف، بل لأنه يستحي أن يُثقل على أي أحد، ويغلب عليه الحياء والحرص على سمعة أهله ودياره، فهم أولى بذلك الاهتمام. وللأجنبي، يجب أن نعطيه حق الزيارة، وليدفع من جيبه ما يريد أن يأخذه أو يأكله أو يسكنه، فهم لا يرحمونك هناك، ولا يردعهم دين ولا خُلق ولا حياء، ولديه الاستعداد أن يدفع ثمن حاجته، هو حياتك أنت، ولا يُبالي.

اعلان

أليس من باب أولى أن يُقال عنا: “أكرموا ذوي القربى قبل أن تكرموا الغرباء”؟ أليس من الحكمة أن نُعيد النظر في أولوياتنا ونُحسن ميزاننا بين من يأتي فضولاً من هؤلاء ومن يأتي محبةً وشوقاً لبلاده وحرصاً؟ وحتى تتضح الصورة، فأنا لست ضد أن نُرحب بالغريب، بل نُشجع على ذلك ونتعامل معهم برفق، ولكن الكرم يستحقه غيرهم من أبناء جلدتنا إذا كان لا بد من الكرم الحاتمي، وبتوازن أيضاً. فالكرامة تبدأ من الداخل، والإحسان لا يكتمل إلا حين يشمل الأقرب قبل الأبعد، فليكن لنا في هذا وعي وإدراك ومسؤولية تفرق بين الأولويات وبين الأهم والمهم، قبل أن نصحو على صورة لا تشبهنا وواقع لا يشبه ما كنا عليه وليس لنا به صلة.
بقلم الكاتب: عائض الشعلاني.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى