/
/
التريث في الحكم… نهج الأنبياء وعدل العقلاء

التريث في الحكم… نهج الأنبياء وعدل العقلاء

Picture of بقلم _ عبدالله محمد مسلم العثيمين

بقلم _ عبدالله محمد مسلم العثيمين

من أعظم الدروس التي نستخلصها من قصة داوود عليه السلام حين جاءه الخصمان، فاستمع إلى أحدهما يقول: {إن هذا أخي له تسعٌ وتسعون نعجة ولي نعجةٌ واحدة فقال أكفلنيها وعزّني في الخطاب}، فحكم داوود عليه السلام على الفور بأن صاحب التسع والتسعين ظالم، قبل أن يسمع من الطرف الآخر. فنبّهه الله عز وجل إلى خطئه في التعجل بالحكم، فاستغفر ربه وخرّ راكعًا وأناب.

هذه الحادثة القرآنية العظيمة تُعلّمنا مبدأً راسخًا في العدالة الإنسانية والربانية معًا، وهو وجوب التثبت قبل إصدار الحكم، وأن الإنصات لجميع الأطراف شرط أساس لتحقيق الإنصاف. فكم من مظلومٍ ظهر ظالمًا في أول الأمر، وكم من بريءٍ أُدين قبل أن يُسمع صوته!

وقد جسّد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا النهج حين جاءه رجلٌ يشتكي أن رجلاً فقأ عينه، فغضب عمر في بادئ الأمر، لكنه سرعان ما قال: “انتظروا، لعل الآخر مفقوء العينين أيضًا.” فلما حضر الطرف الآخر، تبين أن الأمر كما ظنّ عمر — عدلٌ وتروٍّ ونفاذ بصيرة.

ولو أننا التزمنا بهذا النهج القرآني النبوي، وسرنا على طريق التثبت والتأني، لما استطاع شياطين الإنس والجن أن يزرعوا الفتن بيننا، ولا أن يمزقوا الأسر والمجتمعات بأخبارٍ كاذبة أو شائعاتٍ مغرضة. إن كثيرًا من الخلافات الأسرية والخصومات بين الأصدقاء، بل حتى النزاعات بين الدول، منشؤها كلمةٌ نُقلت بلا تحقق، أو روايةٌ سُمعت بلا تمحيص.

لقد أمرنا الله تعالى بقوله:

اعلان

{يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإٍ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} [الحجرات: 6].

فالتثبت من الأخبار عبادة، وسماع الطرفين عدل، وكفّ اللسان عن التسرع في الحكم خلقٌ كريم لا يقوم به إلا من طهُرت سريرته وسما عقله.

إن العدالة الحقة لا تقوم على الظنون ولا على الانفعالات، بل على البينات والحقائق، وما أحوجنا اليوم إلى أن نُعيد في حياتنا الخاصة والعامة هذا الميزان الرباني في الحكم، حتى لا تُفسد المجالس بالشائعات، ولا تُهدَم البيوت بسوء الظن، ولا يُظلم بريء بلسانٍ متعجل

شاركها

تعليق واحد

  1. من عدل سيدنا عمر شعوره بالمسؤولية تجاه رعيته وله الكثير من المواقف في هذا الصدد …. احسنت وجزيتم خير يا شيخ عبدالله وجعل هذا التذكير بميزان حسناتك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى