هنا أطرح تساؤلات عميقة وهامة حول أولويات الإنفاق والتكريم في المجتمع. هل نحن ننفق الأموال بالطريقة الصحيحة؟ هل نحن نهتم بالمواطن وإنجازاته لدينه ووطنه كما نهتم ببعض المهرجانات والاحتفالات؟ هل الأفضل تلك الاحتفالات والمهرجانات التي تقام هنا وهناك لأسباب وبدون أسباب، أم أن إقامة الاحتفالات لمن ضحوا بأنفسهم وببعض أطرافهم وأقدامهم ومن فقد سمعه وبصره، ثم من خلال ذلك نكرم أهالي الشهداء كشكر وتقدير لأنهم أخرجوا لنا هؤلاء الأبطال الذين ذهبت أرواحهم فداءً للدين والمليك والوطن، ولولاهم بعد الله ثم حرص دولتنا أيدها الله وهؤلاء الرجال لما هنيتم بالأمن والرخاء؟ وأيضاً أهل العلم والعلماء والبحوث والاختراعات المتميزين في جميع المجالات، الذين بعلمهم حصل الرقي والتطور والحضارات الحقيقية لمملكتنا الغالية.
إنني من خلال تلك التساؤلات أدعو إلى مراجعة القيم والمعايير التي تُعتمد على كيفية وطريقة إدارة تلك الأموال وإنفاقها وأولوياتها وكيف ومتى وأين تُصرف. إنها قضايا تستدعي بالفعل نقاشًا جادًا وموضوعيًا. فأي إنفاق هو الأرشد بين ترف المهرجانات والمناسبات أو تكريم البُناة والأبطال وأصحاب التميز في الفكر والعلم في شتى المجالات؟
إن ذلك إحدى أهم الاهتمامات المجتمعية وهي عصب إدارة أي أمة لمواردها المالية، وهي انعكاس حقيقي لفلسفة المجتمع تجاه ما تعتبره قيمةً عُليا. إن التساؤل حول ما إذا كنا “ننفق الأموال بالطريقة الصحيحة” ليس مجرد سؤال اقتصادي بحت، بل هو سؤال أخلاقي ووطني بامتياز.
إن أولويات الإنفاق والتكريم هو الميزان العادل عندما نفكر بالعقل والمنطق كشعوب نريد أن نرقى ونتطور، وأيضاً تديناً لله سبحانه. فإذا اختل ذلك الميزان اختل الفكر والمنطق وذهب العقل، وحل مكانها ما لا يليق بنا من حب المظاهر والمبالغات والتنافس بين الأفراد والقبائل. وهذه فعلاً هي الطريقة المنحدرة والأنفاق المظلمة، لا ندري ولا نعلم إلى أين يصير بنا الحال. الدولة أيدها الله جاهدة في البناء والتطور والرقي، ونحن كأفراد نبحث عن الشهرة والأضواء الزائفة. ننظم المهرجانات والاحتفالات والمناسبات في كل مكان لأهداف متنوعة، مصالح يتبع بعضها بعضاً، وتُنفق فيها الأموال الطائلة، ولم نرَ ذلك لدى الشعوب المتقدمة اقتصادياً وصناعياً، لا شك أن الترفيه وإدخال البهجة على النفوس له ضروراته في حياة الشعوب والأفراد، وهو أيضاً جزء من جودة الحياة للفرد والمجتمع. ولكن عندما يصبح الإنفاق على هذا النوع من الفعاليات ضخمًا ومبالغًا فيه مقارنةً بما يُخصص لتكريم الأبطال الحقيقيين، الشهداء والمصابين الذين ضحوا بأغلى ما يملكون فداءً للدين والوطن، فهؤلاء هم صمام الأمان الذي بفضله، بعد الله، تنعم البلاد بالأمن والرخاء الذي يسمح بإقامة أي احتفال أو مناسبة نغدو فيها ونروح شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً. فإن الاهتمام بأسرهم وتوفير العيش الكريم لهم وللمصابين وتكريمهم في احتفالات تليق بعظيم تضحياتهم ليس مجرد واجب وطني فقط، بل هو رسالة للأجيال القادمة مفادها أن التضحية لها ثمنها المعنوي والمادي الأسمى لدى الكل والجميع. وكذلك دعم أهل العلم والعلماء والمخترعين والباحثين في شتى المجالات وتشجيعهم بمثل هذه المبادرات، فهؤلاء هم الوقود الحقيقي للرقي والتطور والحضارات. فهذا هو الإنجاز الحقيقي للدين والوطن.
فأين يكمن الخلل الذي نشير إليه؟ هل من العقل أن نعطي الأولوية لظواهر والفقاعات المؤقتة كالمهرجانات هنا ومناسبات هناك على حساب الجوهر والمضمون الحقيقي الدائم كالأمن والعلم والإنجاز والتضحيات؟ هل بالله عليكم ترونه هدراً أم إنجازاً ما يفعله البعض بما يُسمى هياطاً بهيئة تكريم؟ فعندما تتحول الاحتفالات إلى مجرد استعراض للمظاهر أو مسارح لإثارة النعرات القبلية الضيقة أو ساحة للبحث عن الظهور الشخصي، فإنها والله لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. إن الإنفاق الراشد والعادل والدليل الحق هو في بناء الإنسان من خلال التعليم ودعم المواهب وتوفير فرص الإنجاز العلمي والعملي وتعزيز الأمن بتكريم من يخدم الدين والمليك والوطن، وأن نرعى أسرهم لترسيخ قيمة الولاء والتضحية لديهم. فالرقي الحقيقي أيضاً هو بالاستثمار في البحث والتطوير الذي يقود إلى حضارة حقيقية كما هو ديدن دولتنا أعزها الله، لا مجرد زخرف عابر.
فنداء الضمير والرشد هو دعوة صارخة لإعمال العقل والضمير ومراعاة الله سبحانه في عملية اتخاذ القرار. فإن الرشد يقتضي وضع الأولويات في نصابها الصحيح بما يرضي الله أولاً، ثم بإحقاق الحقوق وتكريم من يستحقون التكريم بما يحقق المصلحة العليا للوطن والمواطن لننعم بخيري الدنيا والآخرة. أنا لست ضد التكريم أو الترفيه المنضبط، ولكن الأحقية هي لمن بنوا الوطن وضحوا لأجله. فتكريم الشهداء وأسرهم، وتوقير العلماء، ودعم بحوثهم، والاحتفاء بكل مواطن يحقق إنجازًا يرفع اسم بلده عاليًا في المحافل الدولية، هذا هو الإنجاز الذي يبقى ويُغني عن ألف مهرجان لا يترك سوى صدى مؤقت وهدر مالي كان يمكن أن يُوجه لخدمة من ضحوا بأعز ما لديهم من الجهد والوقت للعلم وحماية الوطن. فالإجابة التي ترضي الضمير هي أننا بحاجة ماسة لإعادة توجيه البوصلة لنجعل “العلم والأمن والتضحية” هي عناوين احتفالاتنا الأغلى على قلوبنا.
بقلم الكاتب: عائض الشعلاني.














